«أجمل الأمهات» ثائرات

طال أسر أمهاتنا داخل صور واستعارات بدت وكأنها قادرة على إعادة إنتاج نفسها إلى الأبد. لطالما سيقت أمهاتنا إلى سماوات منزّهةً عن حيوات البشر العاديين وخطاياهم، من «ملاك» سعيد عقل إلى «قدّيسة» نزار قباني.

لا جسد ولا رغبة للأمّ- الملاك- القدّيسة؛ هي في هذا العالم، لكنّها ليست منه.

هبط محمود درويش بالأمّ إلى الأرض في قصيدة «أمّي». لكن نصّ درويش وآهات مارسيل خليفة الرتيبة لم يفكّا أسرها. عاشت خارج الأحداث التاريخية. فالثورة للابن، أما الأم فهي التي تحضّر القهوة كل يوم، وتخبز كل يوم، وتشدّ حبل الغسيل كل يوم، وتصلّي كل يوم. انتقلت من زمن الملائكة الأبدي إلى زمن الطبيعة الدوري (لا أسعى إلى إنكار قيمة العمل المنزلي بل التنبيه إلى حصر صورة الأمّ به). وعندما أدخل حسن عبد الله ومارسيل خليفة الأمّ إلى تاريخ الثورة، حجزا لها مقعداً أمامياً في مجلس العزاء: أجمل الأمهات التي انتظرت ابنها، أجمل الأمهات التي انتظرته، وعاد…عاد مستشهداً.

الملاك، القديسة، أمّ الشهيد: صور بلا صوت.

أوجه الاختلاف كثيرة بين شعراء اليمين القومي واليسار الثوري، لكنهم اجتمعوا على إخراج الأمّ من جسدها ورغباتها و… الفعل السياسي المستقل. أما رابطة الأمومة، فهي أيضاً أخرجت من الحيّز السياسي. يتعب الابن الثائر، أو المغترب، أو الأسير فيستعيد ذكريات طفولته السعيدة في حضن أمّه الدافئ.

حسناً، لكن هناك صور أخرى للأمّ أبرزها الأمّ- الأمّة، مدرسة الوطنية، المربّية التي بهمّتها تنهض الأمم. قد تبدو تلك الاستعارة وكأنها نقيض الصور السابقة، فهي تغرق الأم في السياسة، محمِّلة إياها مسؤولية الأوطان. اعتذار الوزير المخلوع جبران باسيل من أمه- وانت ما ذنبك انتِ يا ماما علّمتيني حبّ لبنان– ودفاع المخرج زياد الدويري عن اتهامه بالتطبيع مع إسرائيل بضمّ يديه إلى صدره قبل إبلاغنا بأنه رضع حليب القضية الفلسطينية من والدته، ينتميان إلى تلك المدرسة التي تستعين بالأمّ- المدرسة لتدعيم موقع الابن عند خلخلته.

الأم- الأمّة، المغرقة بالسياسة، صورة بلا صوت أيضاً. لا رغبات شخصية، لا جسد، ولا فعل سياسياً مستقلّاً. تمجَّد الأم المربية في الحيّز الخاص وتُقصى عن المجال العام.


كسرت الثورة، التي تغذّت من نضالات سابقة عليها وأعطتها زخماً جديداً، تلك الصور والاستعارات التي أسرت الأمهات، كما سيّس الأبناء رابطة الأمومة.

مقابل أمّي يا ملاكي، حملت الكاتبة بادية فحص التي حُرمت من رؤية ولدَيْها لأكثر من ١١ عاماً، بعد انفصالها عن زوجها، لافتة مكتوب عليها بدي شوف ولدي. كما وعدت الثورة الناشطة النسوية الراحلة نادين جوني التي حُرمت من حضانة ابنها بعد طلاقها: كرمالك يا نادين بدنا نسقط النظام.

مقابل انت يا ماما خليتيني حب لبنان، صرخت أمّ معتصمة بأن أبنها الخرّيج الجامعي (٣٥ سنة) قاعد بالبيت معي… وبدّي ١٥ دوا لأنه محروم من الجنسية اللبنانية وهي لا تملك مالاً لكي تحصل له على أوراق تسمح له بالعمل. كما رفع أكثر من معتصم شعار ما فيّي أحمل جنسية أمي بس فيي دافع عن ثورتها.

مقابل هراء السلطة عن «الانتشار» وحسّ المغامرة الفطري للّبناني، ترفع لافتة كتب عليها لكل دمعة نزلت بالمطار. وتنتشر تسجيلات لمغتربين يتمنّون على الثوّار عدم التوقّف: كرمال امي اللي عاشت بالحرب وتعبت وربت تلات ولاد صار كل واحد منن عايش ببقعة من الأرض، وتضطر تشوفهم مرّة بالسنة.

مقابل الحنين (النرجسي؟) إلى خبز الأم والطفولة، يخاطب الأبناء المغتربون أمهاتهم الآن وهنا. يطالبون بالزعتر والمجدرة ووصفات الطبخ.

حضن الأم ليس صورة شعرية، بل معركة سياسية.
حرقة الأم على أولادها في الغربة ليست لوعة شخصية، بل حصيلة سياسات منهجية.
معاقبة الأمّ التي سوّلت لها نفسها الاقتران بغير لبناني وجعل حياة أولادها جحيماً ليس قدراً، بل ركن من أركان النظام.
ليس صدفة ان أكثر ما يربك نظاماً يرتكز على الاقتصاص من النساء أن الثورة بلا أب وبأمهات كثيرة.

بابا فين؟ خط ّ بالأسود على عمود بناية في بيروت.
مات، أتى الجواب تحته مباشرةً بالأخضر.

شو كنت عملت بالـ1975؟

جولات القتال في الطيّونةعوامل الدم والخوف والخطر الداهمالحركة الاعتراضيّة منذ الـ2011كنظام ابتزاز دائمالكوريدور أو الملجأ أو المنفىمراقبين خارجين عن مجتمعنا أو مهلّلين للقتل الدائمرعب تلامذة المدارس المحاصرينكوننا لسنا بالـ 1975

عارف ياسين، الرجل الذي أتى من تحت

وصول جاد تابت من فرنسا «بيروت مدينتي» «الخيار المهني» «نقابتي للمهندسة والمهندس» فاز جاد تابت بفارق 21 صوتاً، 4079 صوتاً لجاد تابت مقابل 4058 لنجم واحداً فقط كان يعمل في شؤون النقابة اليومية، وهو عارف