أخيراً، لبنان دولة مُفلِسة رسميّاً

أخيراً، أعلنها رئيس الحكومة: سنتخلّف في التاسع من آذار المقبل عن سداد ما يستحقّ من سندات اليوروبوند، والتي تبلغ قيمتها عند الاستحقاق 1.2 مليار دولار. ووفقاً لعقود اليوروبوند التي ترعى علاقة الدولة بالدائنين، فإنّ هذا التخلّف عن السداد يعني أنّ جميع السندات الأخرى التي لم تحن مواعيد استحقاقاتها بعد، ستستحقّ حُكماً وفوراً. وهكذا، سيكون على الدولة في المرحلة المقبلة الدخول في مخاض طويل من المفاوضات مع الدائنين، والمرافعات في المحاكم الأجنبيّة، وصولاً إلى إعادة هيكلة شاملة للدين العام.

لم يكن اللبنانيون ينتظرون هذا الخطاب ليعلموا أنّ بلدهم بات بحكم المفلس. فالقطاع المصرفي يعاني منذ سنوات من التراجع في سيولته، ممّا جعله يُحجِم عن تمويل عمليّات الاكتتاب بسندات الخزينة التي تُجريها وزارة الماليّة. وقد أدّى ارتفاع المخاطر إلى امتناع الدائنين الأجانب أيضاً عن تمويل هذا النوع من الاكتتابات. عمليّاً، كان مصرف لبنان هو الذي يبادر إلى إعادة تمويل الدَّيْن كلّ مرّة—من احتياطاته—عبر الاكتتاب بإصدارات سندات الخزينة الجديدة، ساخياً بالمال العام على المصارف عبر تحمّل الفارق بين الفوائد المرتفعة التي يدفعها لها مقابل توظيفاتها لديه، والفوائد المنخفضة التي تدفعها الدولة على سندات الخزينة التي يقوم بالاكتتاب بها مستخدماً السيولة التي بحوزته.

كان التعثّر الفعلي أمراً واقعاً إذاً، ومنذ سنوات، وما جرى الآن ليس إلا إعلاناً رسمياً يتوّج هذا المسار. فما تغيّر اليوم تحديداً هو انتهاء مرحلة «الترقيع» القائمة على التفريط بالمال العام لتأجيل الإفلاس الرسمي وحماية مصالح الدائنين، ودخول مرحلة التخلّف الصريح عن الدفع. أمّا ما دفع أركان الحكم إلى هذا القرار، فلم يكن سوى استنزاف الاحتياطي المتوفّر بحوزة مصرف لبنان من العملة الصعبة، إلى درجة باتت تهدّد إمكانيّة تمويل استيراد المستلزمات الحيويّة للّبنانيّين، من دواء ومحروقات وقمح وغيرها.


ثمّة إدانةٌ كبيرة تُعلنها أحداث اليوم لكلّ القائمين على الشأنَيْن المالي والنقدي في البلاد منذ تسع سنوات. فمنذ 2011، توالت على لبنان العجوزات السنويّة في ميزان المدفوعات الذي يلخّص صافي التحويلات الماليّة بين لبنان والخارج. كان واضحاً منذ ذلك الحين أن هذا المسار ليس سوى بداية النهاية للنموذج الاقتصادي القائم على استقطاب التحويلات الأجنبيّة بالفوائد المرتفعة، لتمويل الاستيراد وتثبيت سعر الصرف وإعادة تمويل الدين العام.

لكنّ لبنان، وبدل الاعتراف بهذا المأزق منذ ذلك الوقت، وبدل التوجّه إلى إعادة جدولة شاملة للدين في الوقت الذي كان يتمتّع به بحجم مقبول من السيولة، لجأ طيلة تسع سنوات إلى هندساتٍ وإجراءاتٍ ماليّة استثنائيّة ومكلفة لم تهدف إلّا إلى تسمين المصارف وإعادة رسملتها من المال العام. خلال هذه السنوات التسع، وبدل التوجّه طوعاً لعمليّة ضبط مُقَوْنَن للسيولة وفقاً لقواعد ومعايير واضحة، تُرك النظام المالي اللبناني ينزف عشرات المليارات من سيولته بالعملة الصعبة، من خلال التحويلات إلى الخارج التي استمرّت طيلة تلك الفترة.

جرت شيطنة كلّ من شكّك باستدامة المنظومة الماليّة القائمة، وكلّ من طالب بالتفكير خارج صندوق «استدامة الدَّيْن» وحماية مصالح الدائنين، من باب اتّهامه بالتخريب الاقتصادي وزعزعة وضع الليرة. ولعلّ اللبنانيّين سيذكرون اليوم- ولو على سبيل النكتة- التصريح الشهير لوزير الاقتصاد الأسبق رائد خوري، حين أعلن أنّ لبنان ملتزم بدفع ديونه… إلى الأبد!

بعد كلّ هذا المسار المكلف على الاقتصاد اللبناني وماليّة الدولة، بات بإمكاننا أن نسأل: من أجل ماذا ذهبت كلّ تلك الكلفة، ما دمنا قد بلغنا في النهاية الإفلاس الرسمي والمتوقّع؟ والأهم: كيف نأتمن هؤلاء المسؤولين على مسار الإنقاذ بعد كلّ هذا التفريط بالمصلحة الوطنيّة خلال مسار الاستنزاف؟