أرباب الإعلام في خدمة أرباب المال

كان يكفي أن يهشّم المحتجّون أولى واجهات المصارف الزجاجيّة حتّى يتحوّلوا من ثوّار إلى مثيري شغب في نظر معظم وسائل الإعلام التقليديّة التي اعتادت تملّقهم منذ أولى لحظات 17 تشرين الأوّل. وبينما كانت هذه المؤسسات تبحث دائماً عمّا أغضب المحتجّين وما أرادوا قوله بمعزل عن شراسة فعل الاحتجاج، انتقلت هذه المرّة إلى التركيز على ما اعتبرتْه عنف صاحب هذه الاحتجاجات، والأضرار التي خلّفها هذا العنف. فجأة، أصبحت معظم وسائل الإعلام التقليديّة إحدى أذرع النظام المصرفي في مواجهته المباشرة والمستجدّة، وهو ما بدا للبعض وكأنه قفز من خندق الثوّار إلى الخندق المواجه نتيجة الفعل العنفي نفسه.

تكفي مراجعة بسيطة لتاريخ العلاقة بين وسائل الإعلام والنظام المصرفي لندرك أنّ ما استجدّ من عدائيّة إعلاميّة تجاه المحتجّين لا يتعلّق بطبيعة فعلهم، بل بطبيعة خصمهم هذه المرّة.

فالنظام المصرفي الذي يتقن البحث عن مراكز التأثير والنفوذ دائماً، لم يفُته نسج علاقة مصالح متبادلة مع وسائل الإعلام التقليديّة منذ زمن بعيد، وبأشكال مختلفة. يكفي أن نذكر مثلاً القروض الضخمة التي منحها مصرف لبنان بفائدة 1% لوسائل الإعلام التقليديّة، والتي جنت منها وسائل الإعلام أرباحاً كبيرة من خلال الاحتفاظ بهذه المبالغ كودائع بفوائد مرتفعة. أمّا المصارف التجاريّة، فكانت سخيّة بدورها على المؤسسات الإعلاميّة في شراء المساحات الإعلانيّة ورعاية البرامج، حتّى في ظلّ الانهيار الحاصل حاليّاً الذي لا تسعى خلاله المصارف إلى استقطاب أي عملاء جدد.


لم يُخفِ القطاع المصرفي يوماً غايته من هذا السخاء المبالغ به. لا بل سعى إلى تنظيم علاقته بالقطاع الإعلامي بشكل جماعيّ وعلنيّ ووفق أهداف محدّدة، في تبادلٍ صريحٍ للمصالح بين القطاع الذي يملك المال والقطاع الذي يملك التأثير في الرأي العام.

بدأ تنظيم العلاقة بشكل جماعي بين القطاعين منذ خمس سنوات، مع تحسُّس المصارف المبكر لعوارض الأزمة الماليّة القادمة وطبيعتها. وكان ذلك من خلال مؤتمر وورش عمل نظّمتها جمعيّة المصارف «لحشد دعم وسائل الإعلام بهدف الحدّ من الهجوم على القطاع». ومنذ ذلك الوقت، توالت المبادرت واللقاءات التي هدفت جميعها إلى توفير الدعم المالي من جهة المصارف مقابل قيام الوسائل الإعلاميّة بتوجيه الرأي العام باتجاه أولويّات اقتصاديّة وماليّة محدّدة.

حمل الإعلام اللبناني أولويّات المصارف بحماسة طوال السنوات الماضية، إلى أن تطبّعت هذه الأولويّات وصارت خارج النقاش أو المساءلة. فبات الكلام عن الدَّيْن العام مقروناً دائماً بضرورة الالتزام بإيفاء هذا الدين وفوائده إلى الأبد. فنجحت المصارف في إبعاد أيّ كلام يخصّ التفاوض على أصل وفائدة هذا الدين عن دائرة الإهتمام، وصار الحديث عن سيناريوهات مغايرة لا يأتي إلا في سياق تخيّل كوارث كبرى.

وفي كل التغطيات الإعلاميّة التي تناولت الأزمة الماليّة القائمة منذ سنوات، تركّز الحديث على الفساد الكلاسيكي المستشري في الدولة، بوصفه البلاء الوحيد وأصل العلل. لكنّ الإعلام ابتعد عن تناول المسألة المتعلّقة بطبيعة النموذج الاقتصادي الذي يقوم في ظلاله النظام المالي، والأزمة البنيويّة التي أنتجها، والقنبلة الموقوتة التي بدأت تستعدّ للانفجار منذ أن بدأ لبنان يشهد العجوزات المتتالية في ميزان المدفوعات. كان كلّ ذلك يجري لمصلحة الثقة في النظام المصرفي التي يجب ألا تهتزّ، بينما أنتج ذلك تشخيصاً مشوِّهاً لطبيعة الأزمة الموجودة.

وعلى هذا المنوال، تكثر الأمثلة على نفوذ المصارف وسطوتها في القطاع الإعلامي اللبناني منذ سنوات. ولذلك كان من الطبيعي أن تنقلب اليوم الكثير من الوسائل الإعلاميّة على المحتجّين بمجرّد المساس بسلامة القطاع المصرفي. ففي السابق، كان هذا النفوذ يستتر خلف أولويّات اقتصاديّة وماليّة بدت بديهيّة لكثرة تكرارها كمسلّمات في الإعلام اللبناني. أمّا اليوم، وبعد انكشاف تناقض المصالح بين عموم اللبنانيّين وأصحاب المصارف بشكل واضح، باتت الدعاية المصرفيّة في الإعلام اللبناني عاريةً وبدون قفّازات.

رياض سلامة يعيد الناس إلى الشارع

تقوم سياسة سلامة على اللاسياسة، أي رفض الحلول الجذرية، وترك الأزمة تتفاقم من دون اتّخاذ قرارات حاسمة وعادلة وسريعة. ولكن ما يبدو في الظاهر لاسياسة، هو في الباطن سياسي بامتياز، إذ يقوم على دحر أية قراءة نقدية لبنية الاقتصاد اللبناني، وعلى لومنا نحن على علّات هذا الاقتصاد

الخَنقَة أو نظام الاعتقال اللبناني

الدرهم الماروني والجنيه الدرزي بقناعٍ بشريّ داخل صندوق أسود «وطِّن رِسْمال، رجِّع لاجئ» يعتقل النظام الأمني الثوّار من الأخوين رحباني إلى الأخوين غانم يعتقل النظام المذهبي- البطريركي عندما يدخل «السوري» أو «الفلسطيني» مراجعة حلم رفيق الحريري