أزمات لبنان: نظريّة الـ15 سنة

سعى كثيرون عبر التاريخ لإيجاد قوانين لميدانَيْ الاقتصاد والسياسة، وحاولوا رسم دَوراتٍ تتنبّأ بسَيْر الأمور. قد يكون ماركس أبرز مثال على ذلك، في ما يتعلّق بالأزمات الدوريّة في النظام الرأسمالي، ثمّ ما بناه عليه كوندراتييف، عندما حدّد أنّ النظام الرأسمالي العالمي يمرّ بأزماتٍ دوريّة كلّ 50 سنة، وعُرَفت بـ«دورات كوندراتييف».

في لبنان، تغري الأزمة الحالية باللجوء إلى توقّع مسارات أو دورات مماثلة، لا سيّما أنّ معظم ما يجري اليوم يضرب جذوره في عقودٍ سابقة، ومعظم العقبات الحاليّة كانت متوَقّعة سلفاً. أضف إلى ذلك أنّ البلد منغمس تماماً في المنظومة الرأسمالية، وإن من موقع الطرف. يمكن القول، للتبسيط، إنّه بلد يقوم على اقتصادٍ نيوليبراليٍّ رَيْعي، ويتلطّى سياسيّاً بنظامٍ طائفيّ. هذه الشربوكة، بطبيعتها، مولّدة للأزمات. فهل من مسارٍ لها؟

لا يمكن الحديث طبعاً عن حقيقة علميّة، أو مُسَلَّمة، لكن هناك مَن يؤمن حقاً بفرضيّة يعتبرها صحيحة إلى أن يثبت العكس. فرضيّة لبنانيّة اسمها: نظريّة الـ15 سنة.

تقول هذه النظريّة إنّ النظام في لبنان يقوم على أزماتٍ، في الميدان السياسي، تتجدّد كلّ 15 عاماً- مع هامش بسيط بالناقص أو بالزائد- ويعتاش النظام ويستمرّ عبر هذا التجدّد. والأزمة يسبقها تدهور، تتَطوَّر في الانكماش، ثم يليها صعود وتحسّن إلى أن يبلغ قمّةً ما، ثمّ تتدهور من جديد إلى أن تبدأ الدورة التالية مع أزمة جديدة. هي أزمة دورية إذاً، وقد تصل إلى حدٍّ تصبح فيه هذه الأزمة بنيويّة، لا تُحَلّ إلّا بتغيير النظام كلّيّاً.

الدورة الأولى
يبدأ العدّاد في العام 1943، عام الاستقلال ونظام الصيغة اللبنانية، قبل أن تأتي الصدمة الأولى في العام 1958، أي بعد 15 عاماً بالتحديد. جاءت أزمة 1958، والثورة التي اندلعت ضد حكم الرئيس كميل شمعون في البلاد، بعد توتّراتٍ سياسيّة- دينية. صار الترقيع، وهدأت الأوضاع بعد أشهر.

الدورة الثانية
استمرّت هي الأخرى خمسة عشر عاماً تقريباً سادها الهدوء النسبي إلى أن حان موعد الدورة الثالثة مع بوسطة عين الرمّانة:
1960 + 15 = 1975

الدورة الثالثة
طبعاً بدأت الحرب الأهلية في لبنان قبل الـ75 بسنين، لكن سنسلّم جدلاً أن البداية الفعليّة كانت في 13 نيسان 1975. كانت حرباً، وللبعض ثورة، أو مؤامرة، أو لا أدري. المهمّ، انتهت– شكلياً– مع اتفاق الطائف. وبين البوسطة والطائف، 15 عاماً كذلك، وكانت هذه الدورة الثالثة.

الدورة الرابعة
سلكت البلاد في مرحلة إعادة الإعمار ما بعد الطائف، فكانت الدورة الرابعة التي حملت عنوان «السلم الأهلي» وانتهت مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري:
1990 + 15 = 2005

الدورة الخامسة
بعد العام 2005، ابتدأت أزمة الاغتيالات، وافتُتح تموضُع سياسي جديد تكرّس مع صيغة 8 و14، واتّفاق الدوحة. أزمة، ثم حلحَلة وشيء من «البحبوحة» في سنوات الـ2008–2011 بينما كان يلعب لبنان دور الجنّة المالية وجنّة المضاربات العقارية إبّان أزمة النظام الرأسمالي على مستواه العالمي. ولكن كان لا بد من انتهاء هذا الصعود (الوهمي بمعظمه).
2005 + 15 = 2020

الدورة السادسة
أمّا وقد دخلنا الدورة السادسة، فلا الترقيع يفي بالغرض، ولا الإصلاحات. سندخل مرحلة الفوضى، ثم انهيار المنظومة ولو بعد حين، إلى أن نتلمّس إمكانيّة بناء نظام اجتماعيّ مختلف بنيويّاً عمّا سبق.


لا أدّعي أن هذه النظرية حقيقة علمية. كي تصير كذلك، تبقى المهمّة في ربط تمظهر هذه الأحداث السياسيّة مع ما كان يحصل في خفايا الميدان الاقتصادي. علّنا نتنبّأ، ولو بغباشة، مستقبل هذه البلاد.

الشعب الغبيّ والمواطن الصالح

ولعلّ سِرّ شيوع هذه الحكمة قدرتُها التفسيريّة الهائلة فقد شيئاً مِن «حماسته الثورية» فضمرت التظاهرات، ما خيّب ظنّ مُمَجِّديه لماذا لم تنتصر الانتفاضة؟ لأنّ الشعب كذا وكذا وسيلة تتيح للمواطن الصالح اقتناصَ بعضٍ مِن اللذّة النرجسيّة

«الشارع ما بعد الوباء»: حان وقت التنظيم

فهل تلك الأحزاب شريكة أو حليفة الكلام عن مظلّة واحدة تحوي الجميع هو محض خيال دون التوقّف عن تحريك الشارع بحجة المطالب المعيشية والاجتماعية حينما يكشّر الحزب المأزوم عن أنيابه، ويختار الإحياء المنظّم لخطوط التماس الأهلي علينا ألا نُسهّل مهمّة إعادة تجديد السطو عليها