أزمة الحريريّة أم أزمة النظام؟

أراد الحريري أن يجعل من احتفال ذكرى اغتيال والده مناسبةً للدفاع عن الحريريّة، فتوجّه إلى شارعه في محاولةٍ لاستنهاضه بعد كلّ ما أصابه من تصدُّع في الفترة الأخيرة. وبدا أنّ الحريري يدرك أنّ جزءاً كبيراً من هذا التصدّع سببه الامتعاض من أدائه السياسي خلال السنوات الثلاث الماضية، فركّز على هذه المسألة في خطابه، بينما ترك لفيديو وثائقيّ عُرض في المناسبة مهمّة الردّ على تحميل السياسات الحريريّة منذ التسعينات مسؤوليّة ما وصلت إليه البلاد اليوم.

أزمة الحريريّة مع التسوية

في دفاعه عن أدائه السياسي، ذهب الحريري إلى نعي التسوية الرئاسيّة التي قام بها سابقاً، متحدّثاً عن عقليّة إلغائيّة لدى رئيس الظلّ، علماً أنّ الحريري ومعه رئيس الظلّ اندفعا بعيداً على أعتاب مؤتمر سيدر في التحضير لأكبر عمليّة محاصصة لأموال مشاريع المؤتمر، بالتشارك مع مستثمرين برزت أسماؤهم سريعاً في ذلك الوقت. وعلى مشارف حقبة التشريك مع القطاع الخاص التي كان سيفتتحها المؤتمر، عمل أقطاب التسوية على رسم خريطةٍ لتقاسم القطاعات التي سيدخل شركاؤهم إلى جنّتها. لكنّ الانهيار كان أسرع من روزنامة المشاريع المنتظرة، ودخلت البلاد في مأزق عصيّ على المعالجة عبر مشاريع شراء الوقت على طريقة مؤتمر سيدر.

لم تمنع عقليّة رئيس الظلّ ولا أسلوبه سعد الحريري من الانخراط في تلك التسوية التي راهنت على تقاسم مغانم مؤتمرات الدعم التي كان يُفترض أن تمنح جرعات إنقاذ للنظام الاقتصادي اللبناني. ما تغيّر اليوم، ببساطة، هو سقوط المغانم التي تأمّلت التسوية أن تتقاسمهما، وبالتالي سقوط الجائزة التي كان يراهن عليها الحريري من تسوية مكلفة على المستوى الشعبي، وعلى مستوى علاقاته الإقليميّة.

بالتأكيد، ثمّة عوامل أخرى لعبت أدواراً هامّة في تبلور التسوية وفي سقوطها، لكنّ العامل المتعلّق بالمنافع التي أمل كلّ طرف في الحصول عليها لعب دوراً مفصليّاً في المرحلتين. وبذلك، يمكن القول إنّ جزءاً أساسيّاً من أزمة الحريريّة مع العهد يتعلّق بأزمة النظام نفسه، والمنافع التي يستطيع تقديمها لأي تسوية. وفي كلّ الحالات، تبدو الأزمة أكبر من أزمة «وفاء».

أزمة الحريريّة مع الماضي

يخطئ بعض منتقدي الحريريّة حين يقدّمون سياسات الحريري الأب كنهجٍ اقتصاديٍّ معزول ومستقلّ عن المنظومة السياسيّة-الاقتصاديّة المتكاملة التي قامت منذ التسعينات. لكنّ الوثائقي الذي جرى عرضه في الاحتفال للدفاع عن الحريريّة سقط في الفخّ نفسه، من خلال محاولة الدفاع عن سياسات حقبة معيّنة، وتحميل مسؤوليّة التراكمات المالية والاقتصادية التي انفجرت اليوم لحقبات أخرى.

في علاقة النموذج الاقتصادي اللبناني بالنظام السياسي، ثمّة نمط لم يتغيّر في جميع الحقبات المتتالية منذ انتهاء الحرب الأهليّة ولغاية حصول الانهيار المالي السنة الماضية. قام هذا النمط الريعيّ على تأمين تدفّقات مستمرّة من التحويلات الخارجيّة لصالح النظام المالي. وقد كانت تلك التدفّقات كافيةً لتمويل الدَّين العام وتغذية المنظومة الزبائنيّة وتقاسم المشاريع من جهة، وتأمين ثبات سعر الصرف والاستقرار الاجتماعي، من جهة أخرى. وبذلك، تكاملت السياسات الحريريّة منذ التسعينات مع منظومة سياسيّة أوسع رعت هذا النمط الاقتصادي الذي ساد في جميع الحقبات دون استثناء، وحمل في بنيته عوامل التفجّر التي أنتجت الانهيار الذي نراه اليوم.

ليست أزمة الحريريّة وحدها

اليوم، سقط النمط الاقتصادي الذي نمت في كنفه الحريريّة منذ التسعينات. ففي لبنان ما بعد الانهيار، لم يعد من الممكن الرهان على التحويلات الخارجيّة لتغذية الدَّيْن ومنظومة المحاصصة والزبائنيّة، كما لم يعد ممكناً الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي في ظلّ النظام الريعيّ من خلال ضمان سعر الصرف. وبسقوط الرهانات على مشاريع مؤتمرات الدعم، تشحّ منافع القوى السياسيّة من النظام، وتشحّ معها التسويات التي يمكن أن ينتجها. قد تشكّل كلّ هذه العوامل مناخاً مؤاتياً لمن يبحث عن بدائل من الحريري ومن أقطاب السلطة الآخرين.
في الخلاصة، تبدو أزمة النموذج الاقتصادي أكبر من الحريريّة وحدها، وأزمة التسويات التي استوعبها العهد في السابق أكبر من الحريري وحده.

أعمق من إعلان انتهاء «الحريرية السياسية»

الضربة القاضية لمشروع «الحريرية السياسية» المفاضلة بين كل السلطة من جهة وحزب الله من جهة أخرى اغتيال الحريري الأب عام 2005 أولها، ولكن آخرها هو حتمًا ليلة السابع من أيار عام 2008 «الحريرية السياسية»، وإن كان لها وجود ظاهر، فهو انطلاقًا من تكتيك الحزب

حكومة الحريري: غير المأسوف عليها

بعد اعتذار الحريريففي ميزان توزيع خسائر الانهيار، قد يكون فراغ السلطة التنفيذيّة نفسه أفضل من إعطاء الفئة المهيمنة على النظام المالي سلاحاً إضافياًأجندة جمعيّة المصارفلا داعي للأسف على تشكيلة الحريري وتكليفه