أسئلة المهزومين

ثمّة أسئلة جديدة نطرحها دائمًا.
بعضها أسهل من الآخر. وبعضها قد يبدو سهلًا، ولكن سرعان ما ننتبه إلى حجم الواقعية المطلوب للإجابة عنها، وسنجد أنفسنا ندفع جانبًا كل ما سيشوِّه الوصول لهذه الواقعية. كسبَّاح يشقُّ صفحة الماء بذراعيه قاسمًا إيّاها دافعًا بشقَّيها إلى جانبيه وبجسمه إلى الأمام كي يصل إلى الاستنتاج المؤلم، إلى استنتاج الهزيمة، إلى حافة بركة السباحة من حيث انطلق أولًا.

لا أتحدث عن أسئلة الجميع. لا أهالي الطلاب ولا الطلاب ولا المتخرجون حديثًا ممّن هم دون سن الـ30 أو حتى الـ35 سنة. فلهؤلاء أسئلة أخرى، واستنتاجات وإجابات أخرى.

أتحدث عن أسئلة الأفراد المنهكين من حمل وحدتهم، الذين ولدوا عندما ولدت الحرب، وصارت خيبات البلاد خيباتهم.

أتحدّث عنَّا نحن الذين جئنا بعد الجيل الذي أنتج الحرب، وقبل ما يعرف بجيل الـZ.
نحن الذين كانت طفولتنا حرباً، ومراهقتنا نفاق سلم، وشبابنا اغتراباً، وكانت كل مشاريعنا هي مشاريع الأمر الواقع.
نحن الذين عرفنا المتراس، وضوء الشمعة، وعلقت في أباجورات شرفاتنا الخضراء آثار قذائف قديمة، وفي عيون أهالينا حسرة تسلَّلت إلى أرواحنا، ونجونا بالقدر الكافي لنصل حقبة الإنترنت والهواتف الذكية وعلاقات صلَّحت بعضًا من زجاج أعماقنا المكسور.

وفي خلفيّة كلّ ما عرفناه، دمار لنمط حياةٍ لم يتسنَّ لنا اختياره، وسِيرُ أحزابٍ وعصاباتٍ وزعاماتٍ وقتل ودم تناقلناها في مقاهي يومياتنا خوفًا، وسخرية، ومزاحًا ونكتًا، ورغبات التخلص منها تخنقنا.

الآن، بعدما صار يقينًا ما كان واضحًا بأنّ ماضينا هو مستقبلنا، كيف نأخذ قرار الرحيل؟ كيف سيغيِّر انتقالنا إلى بقعة أخرى أي شيء فيما نحن نعيش الماضي والمستقبل بموازاة حاضرنا؟
كيف يمكن أن نبدأ من جديد، رغم أن البقاء مرير ومذلّ؟ وماذا نبدأ أصلًا وبماذا، وبأيّ ذاكرة؟
كيف يغادر من لا يملك عدّة الرَّحيل، ولا يملك مساحة كافية في ذاكرته لاستيعاب أشخاص وأماكن وأغانٍ جديدة؟ ومن نُصبح إن تمكنّا بأعجوبة من إفراغ ذاكرتنا؟
فإن وجدت بقعة تستقبلك، ووجدت لنفسك عملًا يجنِّبك قلق الاستقرار، فأيّ همّ جديد ستتبنّى لتملأ فجوة همومك السابقة؟ وعندما تفتح صفحتك على الفايسبوك، من أيِّ أزمة ستسخر؟ هل ستنشئ حساباً جديداً بملامح جديدة؟
أيّ طاقة ستستخدم لتتعلّم لغة جديدة؟ وهل لديك صبر انتظار ضحكة مَن ستطلق أمامهم مزحة من مزحاتك… وعمَّ ستمزح؟ هل تعرف مفردات جديدة لنكاتك؟

كم نحتاج لنُراكم ما يصنع حياة، ومع من هذه المرّة، وبأيّ لغة؟

كيف ينسى المهزوم هزيمته، حيث الزمن المتبقي لا يتّسع لأكثر من شمسٍ ومقهى. أين مكان المقهى: حيث هُزمنا ومع من هزموا معنا؟ أم وحدنا حيث لا أعداء لننتصر عليهم إلا في ذاكرتنا!
We are doomed