أسكتوا

فشلنا.
فشلنا في تصديق أن ما نريده يمكن تحقيقه.
لذلك ارتأى البعض منا المطالبة بالممكن في السياسة.
ولذلك وجد البعض الآخر منا خشبة خلاص في بكركي.
ولذلك ترددنا في تقديم البديل، خوفاً من استحالته.
ولذلك رفضنا تقديم قائد، تقديم زعيم، لئلا نسقط في فخّكم، في صورتكم.


لماذا اختارت بكركي أن تضع ميكروفوناً مخصصاً لجمهور الصرح؟
إن ميكروفون البطريرك لا يمكنه التقاط صوت الجمهور في الساحة.
ذلك الصوت التقطه ميكروفون آخر.
ولم تكن وظيفة هذا الميكروفون نقل الجوّ العام من حين إلى آخر. بل كان كلّ حين.
انتقل البطريرك في خطابه من نقطة إلى أخرى، لكن جمهوره رفض الانتقال معه.


الخلاص.
هل من مشروع للخلاص؟ لا مشروع اقتصادياً، او صحيّاً، او اجتماعيّاً او سياسيّاً او بيئيّاً او جندريّاً…
اصبحنا ننادي بالخلاص.


أريد أن أبني مسارح وصالات سينما ومكتبات ومساحات عامة وتفعيل سياسات ثقافية في كل لبنان.
وأن أخصص جزءًا من ميزانية الدولة لإنتاج الفن والثقافة، دون أي رقيب.
لو كنت وزيراً للثقافة.

جميلة هي طرابلس، وضيع عكار. وتاريخ طرابلس الجميل أطول بكثير من تاريخ الحرمان والذل. لن تستطيعوا تدمير مدينة، اي مدينة. اقرأوا التاريخ.


أريد أن أتشارك حياةً كريمة مع كلّ من يسكن هذه البلاد. من لبناني وفلسطيني وسوري وأثيوبي وسريلانكي وسوداني ومصري… ومن أي جنسية كان.

ما زلت في كل مرّة أمرّ فيها قبالة المرفأ وما بين الأبنية المتكسّرة، ينقبض قلبي، وينقطع نفسي للحظات، فأشعر بالسعادة أنني ما زلت حزيناً.


اريد أحوالاً شخصية مدنية، وكامل الحقوق للمرأة، وقوانين للحريات الجنسية.
مضحك كم أنكم تخافون المرأة! كم تخافون الجنس! وكم تخافون أجسادكم وشهواتكم التي صنعتكم.

وقف هنالك على الطابق الثاني في النافذة تاركاً النافذة الأخرى جنبه فارغة. لم أستطع سماعه جيداً. كنت اريد أن أرى من يحتل النافذة الأخرى ولم أستطع. أسمع صوت الجمهور. أتفرس في حركات وجهه لأحاول فهم إن كان هو أيضاً يسمعهم. أحضروا لكل طائفة ممثلاً أوحد ووحيداً. أجلسوهم في الصفّ الأول. جميعهم يوجهون أنظارهم إلى النافذة الأولى. أما أنا، فكنت أحاول أن أفهم مَن صمّم هذا الصرح بنافذتين تطلان على الباحة، لماذا ترك النافذة الثانية فارغة؟

أريد ثقافة بلد تحتفي بطقوسه الدينية جميعها، حتى الملحدة منها. أريد مراكز أبحاث، ومؤرخين يكتبون ولو لمرة تاريخ هذه الأرض ويفضحون جميع رواياتكم الكاذبة عن لبنان، وعن طوائفكم.

تباعدت الكلمات في الخطاب كثيراً لدرجة الملل. اسكتوا. كفاكم كذباً. اسكتوا. لا حياء. اسكتوا.
جميعكم حملتم أكياس نيترات الأمونيوم، وخزنتموها في الماضي، وفي الحاضر وفي المستقبل، إنفجارات عديدة وعيدية. اسكتوا. لقد فشلتم في كل شيء. جميعكم، اسكتوا.


أريد مدارس رسمية قوية ونظاماً تربوياً وجامعات تعمل على تطوير سوق العمل والتخطيط لاقتصاد انتاجي. اريد لامركزية في القرار والفعل والإنماء والعيش المشترك.

اخفض سلاحك، حتى متى تهددني بالسلاح؟ وانت وليد الأمس، أتعتقد فعلاً أنّ سلاحك أبديّ؟ ألم تكن تلك البارودة في الأمس بيد أعدائك؟ ماذا دهاك؟ ماذا تفعل؟


أريد طوائف وثقافات متنوعة. لا أريد أحزاباً دينية. أريد هذا التحدي في فهم الآخر، في الإستماع إليه، في التبادل وفي حقّ النقد والرفض.

يهاجر اليوم الكثيرون، وخاصة طلاب الجامعات. بدون أموال، فإن أموالنا جميعها سُرقت. أنتم سرقتموها. يرتمون في الغربة، تاركين خلفهم أهلاً وأحباء. لا ترحلوا. ما من سلطة تسجن ذاتها. ما من سلطة تشنق ذاتها. ما من سلطة ترحل.


جميعكم انعزاليون، حتى في تدويلكم انعزاليون.
جميعكم فشلتم في الشراكة.
ونحن ايضاً فشلنا.
فشلنا في تحقيق الممكن الذي أتحتوه لنا. الممكن الذي التزمنا به. الممكن الذي كرس فيكم المقام والمرجع والمركز.

أسكتوا، فنحن نريد الكلام.