أصبح للمخلِّص وريث

لا يمكن إعادة التفكير بتشكّل العونية السياسية كحالة جماهيرية خارجة عن الأطر الحزبية الهرمية، في آخر الثمانينات، من دون التوقّف عند قدرة الجنرال آنذاك على إنتاج شحنات قويّة من الأمل السياسي.

لبّى كثيرون نداء الجنرال الذي تعالى على العصبيّات الطائفية ليخاطب اللبنانيّين مباشرةً عن حريتهم وسيادتهم واستقلالهم. ربّما كان شعاره الشهير: لبنان أكبر من أن يُبلع…أصغر من أن يُقسّم أكثر ما كثّف مشروع الجنرال الذي تموضع ضدّ حافظ الأسد (شعب واحد في بلدين) الذي قوّض الوطنية اللبنانية من الخارج، وضدّ سمير جعجع (أمن المجتمع المسيحي فوق كلّ اعتبار) الذي فتّتها من الداخل.

طربتُ لنبرته المتحدّية وأنا على عتبة المراهقة، في حين انضمّ بعض من يكبرني بسنوات قليلة إلى لواء أنصار الجيش الذي أنشِأ حينها.

كان الجنرال حينها نموذجاً للمتمرّد اللامنتمي بامتياز، وهنا يكمن سرّ كاريزماه: رافض لخطابات التقسيم والطوائف، دخيل على النادي السياسي التقليدي، غريب عن عالم الصفقات والفساد، وخارج الارتهان لقوى إقليمية أو دولية.


انتهى التباس البدايات الذي جعل من الجنرال زعيماً مسيحياً وقائداً لبنانياً يستطيع صياغة خطاب جامع بعد عودته من منفاه. تحوّل التيار أكثر فأكثر إلى بلورة خطاب طائفي منغلق يطالب باستمرار بحقوق المسيحيّين المغبونين، حتى وصل مع الدكتور ماريو عون إلى الدعوة إلى تشخيص طائفة الشجر المحروق.

تزامن ذلك مع آليات عمل لا تختلف عن السياسة اللبنانية التقليدية. توالى إبعاد المناضلين الذين ضحّوا خلال حقبة الطغيان الأسدي على لبنان واستُبدلوا بممثّلين للعائلات ومتنفّذين من خارج التيار وصولاً إلى التحالفات في الانتخابات النيابية مع أثرياء مثل سركيس سركيس، الذي لم يمر دون استفزاز.

كما طوى الجنرال، الذي واجه العالم محاطاً فقط بمحبّة مناصريه في خريف ١٩٩٠، صفحة استقلاله اللبناني، فأقحم تياره في سياسة المحاور الإقليمية. فبعد المنفى الباريسي، أتى زمن الخامنئي وبشار الأسد وحسن نصرالله. كما اشتغل التيار على إعادة تأطير المسيحيين اللبنانيين كأقلية مسيحية مشرقية، يتوجب عليها التحالف مع الأقليات الأخرى في المنطقة لتفادي «الخطر الوجودي» الذي تشكّله الأكثرية السنّية.


نكث تيّار اليوم بوعود العونية الماضية. أبعدتْه ممارساته عن مبادئ العديد ممّن آمنوا يوماً بالجنرال واحتفظوا بصوره كأيقونات مقدّسة في محافظهم الشخصية وفي صالوناتهم في زمن العسس الأسدي المرعب. شهدنا تحوُّل تجمّعات قصر الشعب التي أملت بغد أفضل إلى ماكينة حزبية وقودها الدائم هو التخويف من المستقبل (تكفيريون، لاجئون، مثليون… جايين ليكم).

استرجعُ الآن ذكريات بداية مراهقتي التي رافقتها أغاني الجنرال التي شبّهتْه بالنبي- المخلّص (عونك جايي من الله)، فيعيدني أداء غسان عطالله لهيلا هيلا هو جبران باسيل منحبّو رأساً إلى الحاضر، فأنتبه أنّ كلّ هذا الكلام عن التيار الوطني الحرّ بات أيضاً فعلاً ماضياً، بعد إعلان عطالله ولادة التيار الباسيلي من باحات القصر الجمهوري.

دخل المتمرّد اللامنتمي إلى نادي النظام اللبناني، فأصبح للمخلّص وريث واحد، بينما كان له رسلٌ بوجوه كثيرة.


تستعيد الثورة اليوم مفاهيم الحرية والسيادة والاستقلال. تبثّ فيها حياةً جديدة، وتعيد صياغتها، بعد استهلاكها. تفعل ذلك من دون السعي إلى تجسيد تلك المفاهيم بأبٍ قائد، واحد. وهي تعفي بذلك الثوّار من قضاء عمر لاحق يحاولون فيه استيعاب خذلان مَن نصّبوه أباً في لحظة هيام صوفية، والتعايش الصعب مع أشقّاء لا يتحمّلون الخروج من تحت عباءته، والانصياع لرغبات ورثة الغفلة. فينكفأ حينها البعض إلى حنين قليل الكلام إلى عصر ذهبي، بينما يجنح البعض الآخر باسم تبدّل الأحوال ومجاراة الواقع إلى انتهازية رخيصة.

مهما حقّقت الثورة في نهاية المطاف، لم نعُد بحاجة إلى قائد آخر يأخذ خلاصنا على عاتقه. نحن أهل خلاصنا وأولياء أمره.