أعمق من إعلان انتهاء «الحريرية السياسية»

ذهبت بعض القراءات التي تدور في فلك يسار الممانعة، خلال تحليلها لمشهد اعتذار الرئيس المكلف سعد الحريري عن تشكيل الحكومة، إلى اعتبار هذا الاعتذار بمثابة الضربة القاضية لمشروع «الحريرية السياسية»، وأنه بمثابة إعلان انتهاء حقبة «الحريري، جنبلاط، بري» كأركان للنظام. فحسب هذا التحليل، آن الأوان إلى الانتقال إلى مرحلة جديدة مختلفة تمامًا عن تلك الحقبة التي امتدّت في لبنان منذ اتفاق الطائف حتى عشية هذا الاعتذار.

ومن نافل القول إن هذه الأقلام، لطالما اختزلت وشخصنت مشروع الطبقة الحاكمة التي استباحت البلاد بتسمية «الحريرية السياسية»، والتي قصدت، وما زالت، المفاضلة بين كل السلطة من جهة وحزب الله من جهة أخرى، على اعتبار أن لا علاقة للحزب بكل ما وصلنا إليه. وشكّلت هذه المفاضلة إحدى نقاط الخلاف في بداية الثورة، بين من يريد أن يستثني الحزب من النقد ومن يشمله في مفهوم النظام، سواء كشريك أو كضابط النظام الأساسي.


لا شكّ أن هذه القراءة تعاني من عقم نابع من قصور، أو بالأحرى عقم نابع من التركيز على المستوى الأخير من الحدث دون التطلع على سيرورته المسبّبة. تلك السيرورة التي امتدّت منذ سنوات، لم يكن اغتيال الحريري الأب عام 2005 أولها، ولكن آخرها هو حتمًا ليلة السابع من أيار عام 2008، حين احتل حزب الله بيروت، وأعلن، بما لا يطاله الشك، أن الحزب هو من يضع الخطوط الحمر، وهو من يسمح بأن تكون هناك حكومة أم لا، وهو من يحدّد الخطوط السياسية العامة للحكم وللبلد، وأنه هو الآمر المطلق في السياسة على مستوى لبنان في ذاته، وعلى مستوى لبنان في سياق المعادلات والمحاور الدولية.

لم يتنبّه أصحاب هذه الآراء إلى أن الحريري، ومنذ عام 2008 حتى اليوم، ليس حريري «الحريرية السياسية»، بل هو الحريري نسخة حزب الله. ولم يتنبهوا إلى أن كل ما يقوم الحريري به يدور في فلك الحزب، وصولًا إلى أنه حاجة فعلية وجدية للحزب. حتى أن حزب الله نفسه، وعلى لسان أمينه العام، كان قد أعلن في خطابه الثاني الشهير خلال فترة الانتفاضة أن العهد لن يسقط، وأن النظام لن يسقط، وأن الحكومة – أي حكومة الحريري – لن تسقط كذلك.

يومها أنهى الحزب لعبة الثنائيات التي بقي يمارسها منذ لحظة تشكّله، أنهى لعبة ثنائية رجل الدين ورجل السياسية، ثنائية المقاومة والحزب السياسي، ثنائية الحريرية والمعارضة. فاعترف في ذلك الخطاب، وبشكل تام ونهائي، أن قرار الحسم هو قراره. وأنه هو من يقرر بكل شاردة وواردة في لبنان. وأن «الحريرية السياسية»، وإن كان لها وجود ظاهر، فهو انطلاقًا من تكتيك الحزب، وليس لأنّها قوة في ذاتها فارضة نفسها على المشهد وعلى الساحة السياسية في لبنان. أي، وبصريح العبارة، اعترف حزب الله، وبشكل قاطع، بما كان يضمره منذ عام 2008، وهو أن الحقبة التي نعيش فيها هي حقبته هو ولا أحد سواه.


لا تعني هذه القراءة أن الحزب هو المسؤول الوحيد عما آلت إليه الأمور من انهيار، كما يحاول البعض أن يأخذ الخطاب، بل تعني أن حزب الله هو نقطة ارتكاز وتكثّف النظام اللبناني الطائفي بالتمام والكمال، كما كانت «الحريرية السياسية» مع الحريري الأب من قبله، وكما كان «اليمين المسيحي» وعلى رأسه حزب الكتائب قبل الحرب الأهلية.

إن أزمة القراءة التي تعتبر الاعتذار بمثابة إعلان عن انتهاء «الحريرية السياسية»، سواء أكان ذلك سليمًا أم لا، هو أنها قاصرة فعليًا عن قراءة المشهد، وأنها ما زالت تنظر بعين النظام، ومن داخله، ووفق ديناميته، في مرحلة انهياره، أي أنها تنظر بعقل مأزوم في نظام مأزوم. فهذه القراءات لم تقتنع حتى الساعة أن الذي ينهار هو النظام نفسه، وأن دولة البرجوزاية التابعة، الدولة الطائفية، هي التي بدأت بالانتهاء. وهذا المنطق ينمّ، وبطبيعة الحال، عن قراءة تحمل نفسًا اصلاحيا، جل ما يطمح إليه هو تغيير خلطة الأوراق لكن في نفس تقسيم الأدوار السابق، بمعنى أن تتحول نقطة الارتكاز بالنسبة إليه من محور طائفي إلى محور طائفي آخر.

مشكلة هذه القراءات أن الزمان قد فاتها، وأن منهجيات القراءة لديها لم تعد تجدي نفعًا، وأن الدور الذي تلعبه، وإن بغير قصد، هو دور رجعي ومعيق لما ستؤول إليه الأمور في المستقبل المتوسط والبعيد. ففي حين أن الحاجة الآن هي لقراءات تحمل من المغامرة السياسية ما يكفي من أجل طرح بدائل يمكن أن تكون صالحة، ويمكن أن تلعب دورًا يضيء على جزئية ما من المشهد، نراها تتكور على نفسها لتعود إلى الخلف، لتعود إلى العيش على امتصاص موبقات ما بدأ بالانتهاء، وما ستنتهي هي معه.

حكومة دون حكم

المبادرة مع تشكيلها لحكومة التغييرات غير العلنية التي أصابت الدستور والقوانين خفة تعاطيها مع أزمات الناس

حكومة الحريري: غير المأسوف عليها

بعد اعتذار الحريريففي ميزان توزيع خسائر الانهيار، قد يكون فراغ السلطة التنفيذيّة نفسه أفضل من إعطاء الفئة المهيمنة على النظام المالي سلاحاً إضافياًأجندة جمعيّة المصارفلا داعي للأسف على تشكيلة الحريري وتكليفه