أكَلَة الجِيَف

إنّهم قادمون.
هكذا يحذّر خبراء متشائمون. تلك الصناديق التي تحوم حول الشركات أو البلدان المفلسة، تشتري ديونها بأسعار بخسة، ثمّ تُعدّ العدّة لعملياتٍ تفاوضيّة تحصد الأرباح على حساب المفلسين. يسمّيها الاقتصاديّون بـأكَلَة الجِيَف، وقد غادرت قمم الجبال المرتفعة، وبدأت تفرد أجنحتها في رحلة طيران صَوْبنا.

إنّهم قادمون.
قد يصبح لبنان فريسةً لتلك الصناديق. فأسعار السندات اللبنانية آخذة بالانحدار. بعض حملة السندات، بمن فيهم المصارف المحلية، يسعى كي ينفد بجلده. أقدموا فعلاً على بيع سنداتٍ بأسعار بخسة ليتخلّصوا منها، وليقبضوا الثمن فوراً ويخزّنوه خارج لبنان. عمليات البيع هذه، إن استمرّت، ستفتح شهيّة الصناديق التي تُسمّى بـأكَلَة الجِيَف، تلك التي ستسعى لتملُّك عدد كافٍ من السندات وتنتظر ساعة التفاوض مع الحكومة اللبنانية.

إنّهم قادمون.
يملكون أقداماً صلبة، ومخالب للانقضاض على الفريسة. في الأسبوع الماضي، دقّوا أبواب بلدٍ صغيرٍ مثلنا، بلدٍ مفلس مثلنا، كان يدعى في قديم الزمان «ميناء الأغنياء»، قبل أن ينكبه الاستعمار وتنكبه الأعاصير. ومع كلّ إعصارٍ، كان يطلّ سربٌ جديدٌ من أكَلَة الجِيَف الذين يجنون الأرباح من الخراب، من المزيد من الإقراض للإغاثة والإعمار. وصلت ديون بورتوريكو تقريباً إلى الحدّ الذي وصل إليه ديننا العام. 75 مليار دولار تمكّنت الجزيرة أخيراً من إعادة هيكلة جزء منها. لكنّ الكلفة كانت باهظة، وأرباح أكَلَة الجِيَف أيضاً.


ما يخشاه العالم، في الواقع، تآلف معه اللبنانيّون. فنحن بلدٌ صغير، والمقابر التي كانت تسوّر المدينة عبر التاريخ، وجدتْ نفسها مع التمدّد العمراني وقد باتت في قلب المدينة، يحيط بها السكّان من كلّ صوب. في الليل، نسمع أحياناً بعض الضجيج من نوافذنا المغلقة، فنعلم أنّهم قادمون.

في الانتخابات النيابية الأخيرة، كانوا يعلمون أنّ البلد مُقبلٌ على إفلاس. لكنّّهم ركضوا يحجزون المقاعد لتناتُش ما تبقّى. لم تكن الخزينة تفيض بالأموال، لكنّ أكَلَة الجِيَف يعلمون أنّ هناك دائماً ما يعلق حول العظام. دُقّوا عظام البلد جيّداً، لا بدّ أن تدرّ لكم بعض الخيرات. وقد دقّوا العظام فعلاً، فخرجت مشاريع باهظة الثمن لكنّها لم تُبصر النور، وخرجت سدودٌ وبواخر، واحتكاراتٌ ومقالع. خرج رمل البحر، وفخّارٌ وذهبٌ من تحت الأرض، وخرجت الشواطئ على الضفاف.

قبل قرابة أربعة أعوام، لم يأتِ أكَلَة الجِيَف من وراء الحدود. لم يتّجهوا صوب المقابر. جاؤوا محمَّلين بشُنطٍ مليئةٍ بأموال المودعين، ودخلوا بها مصرف لبنان. هناك استلمها الحاكم، وأعطاهم مقابلها وعوداً بشنط أخرى أكبر حجماً. لم يتأخّر الحاكم في تنفيذ وعوده، ولم يعرف المودعون يومَها أنّ أموالهم تبخّرت فيما كان أكَلَة الجِيَف يتبادلون الشُّنَط. حدث ذلك بصمت. وأطلِق عليه اسمٌ محترم في عالم الأرقام والهندسة. لم يسمع أحدٌ طرطقة العظام في صخب شارع الحمرا.


قد يخطئ الخبراء المتشائمون. قد لا تنتهي سندات اليوروبوندز في أيدي صناديق أكَلَة الجِيَف القادمة من خلف الحدود. لكنّنا نعرف أنّنا منذ ثلاثين سنة نعيش بينهم. لم يتركوا لنا إلا العظام. ها نحن نجرّ أجسادنا الهزيلة، ونعرف أنّنا إمّا أن نعيدها إلى القبر، وإمّا أن نخرج بها إلى الساحات. هناك، في الهواء الطلق، لن نسمح لأحد بأن ينهش لحمنا بعد الآن.