أنا الحاكم

حلّ حاكم مصرف لبنان المشكلة على طريقته.

لن ينتظر حكومةً، ولن ينتظر مجلس نوّاب. فالحكومة تبدو حتّى الساعة أعجز من إرسال أيّ قانون يتعلّق بالأزمة الاقتصاديّة إلى المجلس النيابي. وإن فعلت ذلك، فموافقة المجلس عليه تبدو بعيدة المنال.

جرّبت الحكومة مع قانون الكابيتال كونترول.
أضاعت أكثر من اجتماع عليه. وفي خضمّ نقاشه، فاجأ وزير المال الجميع بطلب سحبه من التداول. بدا رئيس الحكومة كالمخدوع الذي اضطرّ للخضوع. قام بزيارةٍ ذليلة إلى نبيه برّي الذي كان قد أوعز لوزيره «المستقلّ» بسحب المشروع. وهناك فهم أنّ عليه إقفال الموضوع.

جرّبت الحكومة مع الهيركات.
قدّمت مسوّدة خطّة مليئة بالسلبيّات، لكنّها تتضمّن أمراً إيجابياً واحداً، هو البحث عن تعويض الدولارات الضائعة من مصدرَيْن: أموال أصحاب المصارف، وودائع كبار المودعين.

غير أنّ المسوّدة المسرّبة صاغت مشروع الهيركات بطريقةٍ شديدة الإبهام. لم تتعهّد بحماية ما يكفي من المودعين. لم تؤكّد حصول الهيركات بشكل تصاعديّ. لم تعد ببدائل واضحة. لم تربطه بضريبة على الثروات الأخرى. حتّى حين جاء توضيح رئيس الحكومة بأنّ 98% من المودعين سيحظون بالحماية، كانت الحملة المسعورة التي قامت بها معظم القوى السياسية ضدّ أيّ شكل من أشكال الهيركات قد فعلت فعلها تحت شعار كاذب اسمه «حماية أموال الناس». فعن أيّ ناس نتحدّث ما دام أقلّ من 22 ألفاً هم الذين يملكون ودائع تفوق المليون دولار.

حلّ حاكم مصرف لبنان المشكلة على طريقته.

بضربةٍ واحدة، أطاح بالكابيتال كونترول، وأمسك بخيوط الهيركات.

فأتاح للمودعين، في قراره الأخير، سحب ودائعهم الموضوعة بالدولار، شرط الحصول عليها بالليرة اللبنانية وفق سعر السوق الذي تحدّده المصارف، والذي يقلّ حالياً 600 ليرة تقريباً عن سعر السوق كما يتداول به الصرّافون. ممّا يعني أنّ أيّ مودع يسحب أمواله بالليرة ويتّجه بها إلى الصرّافين ليعيدها إلى الدولار، سيكتشف أنّه خسر نسبةً من أمواله. وستزداد نسبة الخسارة هذه مع الوقت لأنّ إغراق السوق بالليرة سيؤدّي إلى تدهور لا قاع له، ربّما، لسعر الصرف.

ماذا يعني ذلك؟

يعني أنّ رياض سلامة يدعو المودعين إلى هيركات طوعيّ، برغبتهم ورضاهم، لكنّ آثاره ستنعكس على عموم الناس الذين ترتبط معيشتهم ورواتبهم بسعر الصرف.

حلّ حاكم مصرف لبنان المشكلة على طريقته.

جاءت خطوته بعد سجالٍ لم يخرج منه رابحًا إلا الطقم السياسي الذي اتّبع السياسات التي أوصلت البلد إلى الإفلاس، فخرجت تلك القوى بريئةً وسط تقاذف الاتّهامات بين كيان اسمه «الدولة» و«المصارف».

«الدولة» تريد مال المساهمين في المصارف الذين قاموا باستثمارات خاطئة وجنوا منها أرباحًا طائلة، والمصارف تريد مال «الدولة» المفلسة عبر بيع أراضيها لأنّها تعتبر «الدولة» هي من أساء استخدام الأموال التي اقترضتها.

يُغفل هذا النقاش المسألة الأساس وهي نهب المال العام الذي تشارك فيه أصحاب المصارف وبعض كبار المودعين (عبر امتصاص موازنة الدولة بخدمة الدَّين) والطقم السياسي (عبر السياسات الاقتصاديّة ومزاريب الزبائنيّة).

راكم الفريقان الثروات عبر نهب «الدولة». وما الحلّ الذي يقترحانه اليوم إلا معالجة آثار هذا النهب عبر المزيد منه، أي عبر بيع أراضي الدولة لمكافأة المصارف وتعويض المودعين.

حلّ حاكم مصرف لبنان المشكلة على طريقته.

هذه المرّة لم يتطلّب الأمر دعايةً عن تدخّل من السيّد حسن نصر الله، ولا وساطةً من اللواء عباس ابراهيم، بحجّة حماية المودعين الصغار. فعلها الحاكم لوحده، وبملء إرادته.

هذه المرّة، لن تخسر «الدولة». لن تخسر المصارف. تريدون مالكم. تعالوا خذوه. وحين تذهبون إلى السوبرماركت حاملين رزمًا من الأوراق التي لن تشتري لكم شيئًا، ستعرفون أنّ المعجزة اللبنانيّة مستمرّة، وأنّ الحقّ ليس إلا على سعر الصرف.