«أنا ما قلتش هيك»

هذه المرّة، قال: الحراك صادق.
لا بل قدّم تنازلاً إضافياً للمحتجّين. فإن شاؤوا أن يسمّوا ما يقومون به ثورة، فليكن. لن يختلف معهم حول المصطلحات.
فالموسم موسم تسامح، والتنزيلات بالجملة.

فبعد إبداء «بي الكلّ» كلّ التفهُّم أمس، أراد «السيّد» أيضاً أن يغيّر شروط لعبة التخاطب حتّى لا يصدم محبّيه الحريصين على صورته كقائد مُلهم. فاحتجاجاتكم أيّها الأحباب محقّة وعفويّة. لا تصدّقوا ما قلتُه سابقاً عن عفويّتها التي انتهت. أنا ما قلتش هيك. الآن، سوف أقول: الحراك صادق، لكنّي أنا من سيضع لكم جدول أعمال هذا الحراك.

أوّلاً،
ممنوع قطع الطرقات، وخصوصاً طرقات الجنوب. وإن قمتُم بقطع الطرقات، فإنّكم تتحمّلون مسؤولية استدراج التحرُّك «العفويّ» لـ«الشارع» الآخر. لقد فعلتم ذلك سابقاً، وكانت النتيجة أن دفعتم الثمن على الرينغ وفي رياض الصلح، وكذلك في صور والنبطية.

ثانياً،
كان من المُفضّل ألا تستقيل الحكومة. أمّا وقد فعلت، فإيّاكم التفكير بإسقاط المجلس النيابي أو رئاسة الجمهورية.

ثالثاً،
الشتائم ممنوعة، فهي الدليل الذي يكشف العناصر غير العفويّة في الحراك.

رابعاً،
لهذا الحراك مطالب معيشية لا علاقة لها بالسياسة. إرفعوا مطالبكم هذه، عبِّروا عن وجعكم ما شئتم. أمّا المطالب السياسية، فإيّاكم أن تصغوا إلى الوسواس الخنّاس. فالسياسة ليست إلا حرفاً للحراك عن أهدافه التي يملك نصر الله وحده حقّ التمييز بين المزيّف والحقيقيّ منها.

أمام جدول أعمال كهذا، يصبح تراجع حدّة النبرة تجاه الاحتجاجات من دون معنى. فنصر الله يريد حراكاً على قياسه.

حراك «لايت» خالٍ من السكّر والكافيين.

حراك «الورقة الإصلاحيّة».

حراك يمكن أن يُقاد من قبل أشخاص من الجيش الاحتياطي لحزب الله، سواء من كرافاتات المجتمع المدني أو الخبراء الاقتصاديين.

من سوء حظّ نصر الله أنّه منذ إسقاط الحكومة، حدّد الشارع أهدافه جيّداً. أصرّ على كلّن يعني كلّن، وأنّ الثورة لا يمكن أن تقف عند حدود رئيس الحكومة. طرابلس رفعتها عالياً: مستمرّون لإسقاط رئيس الجمهورية ومجلس النوّاب. ولاقاها جسر جل الديب وجسر الرينغ اللذان ما زالا يخوضان محاولات يومية لقطع الطرقات.

فالسؤال الحقيقي الذي يفضح خطاب رئيس الجمهورية أمس وخطاب نصر الله اليوم هو:

هل يمكن حقاً أن تتحقّق مطالب طبقيّة بمعزل عن تغيير سياسي جذري؟

يعرف الرئيس ويعرف السيّد أنّ الجواب على السؤال هو بالنفي. والخوف، بالتالي، ليس من تسييس مطالب الشارع الاقتصادية، بل من الطبيعة السياسية لهذه المطالب الاقتصادية.


في خطابه اليوم، دعا حسن نصر الله إلى تنزيه الحراك. وبالأمس، دعا أحد نوّاب كتلته إلى الحفاظ على ما تبقّى من نقاء الاحتجاجات المطلبية. ما يطلبه حزب الله فعلياً هو تعقيم الحراك للتأكُّد من عُقمه. وفي مواجهة معقِّمات خطاب المقاومة، المجد لشتائم الشارع.

الاقتراح كفعلٍ سياسي

لكنّ «الاقتراح» قد يكون، في خروجه عن حدود الممكن، هو المطلوب اليوم: اقتراحات قد تفرز، واقتراحات قد تزعج، واقتراحات قد تنقلنا من لحظة «الثورة» الجامعة إلى لحظة الفرز السياسي…

من أزمة النظام إلى أزمة معارضيه

رسم حدود فاصلة بين قوى المعارضة نفسها النزعة الإصلاحية حركة إسقاط النظام الطائفي حصرها بقانون انتخابات جديد مالت لناحية حزب الله انعكست الانتخابات هزائم تتصدّر المشهد في ساحة رياض الصلح تأسيس جبهة سياسيّة مستقلّة متجانسة