أن تقف بين سكّينَيْن

هل من بلد آخر في العالم أقام وطنيّين له متحدّرين من دماء وعادات أخرى كفرنسا؟

إميل سيوران

 

لا إكراه في الدين

سورة البقرة، الآية 256

 

لأوّل مرة منذ إقامتي الفرنسية أشعر بالخوف. كنت أغضب في السابق. أتمرّن على ابتلاع المرارة. أحسّ أنّ كل هذا مجرّد ترف، لا قدرة لي على امتلاكه. منذ عملية الذبح الأخيرة في نيس، أرى الناس حولي يتغيّرون. أصواتهم ونبراتهم ومواقفهم وسكانتهم. أصدقائي الفرنسيون الذين أشاركهم طاولات المتع، من أكل وشرب، دخلت على أسنتهم لغة جديدة. لم يعد باستطاعتهم أيضاً كتمانها. لغة تتقاطع مع خطاب مارين لوبان. كأن الذباحين اليوم، المسعورين بخطاب الكراهية والجنون والعنف والعطب النفسي والروحي، يسهّلون للمرأة رحلتها القادمة إلى الإليزيه.

ما صنعه الذباحون المسلمون، والذين لا نجاة لنا من هويتهم هذه، باعتبارهم لم يعودوا ذئابًا منفردة فحسب، بل نسخة من نسخ هذا الدين ووجوهه، ولو نسخة نحبّذ أن نقول أنّها مشوّهة. فلا الإسلام الذي عرفتُه في بيت أهلي وبين أهل مدينتي طرابلس، كان بهذا الشكل (ولو حمل بعضه عنفاً في محطات ما)، ولا الاسلام الذي يمارسه أصدقائي المؤمنون هو أيضاً إسلام عنف. وربما من هنا أتفهّم ما يكتبه هؤلاء من حملة تبرّؤ.
لكن هل التبرئة كافية؟ هل نحن من علينا أن نتبرّأ؟ أم نحن بحاجة إلى خطاب ديني صريح يدين ويشجب، لا بل بحركة جادة من قبل المشايخ بزيارة الكنيسة التي جاءها الذباح الجاهل ومدّ بسكينه بيد باردة على رقاب بشر لا ذنب لهم بشيء. نحن بحاجة أن يتحرّك الأزهر، ومعه إفتاء السعودية، وهيئة علماء المسلمين، وتزور وفوده المدرسة التي قُتل فيها المعلم الفرنسي، وأن يكونوا في الصف الأول لجنازته.

نحن بحاجة إلى هذه الرسالة الواضحة غير الملتبسة. البيانات لم تعد تنفع.

من يظنّ أن الأزمة الحالية أحادية الجانب ونتيجة حتمية لخطاب إيمانويل ماكرون حول الإسلام مخطئ. المشكلة السياسية التي تريد تركيا وسلطانها رجب أردوغان اختلاقها واستغلالها باجتزاء خطاب ماكرون، وتأجيج مشاعر منتمين إلى الديانة الإسلامية، ليست سوى حملة دنيئة وسياسية بحتة. وانجرار جزء من النخبة العربية إليها مخيف، لا بل مرعب، بإعطاء هذه الحملة مسوّغاً ومبرّرات، تحاكي القتل من زاوية أخرى. وكأن الذبح مثار شك، ولا يستحق رفضه رفضاً قطعاً حازماً. بل يجب لأنفسنا، بحسبهم، أن نجد له أسبابه بتكرار اسطوانة بعينها دائرية: استعمار، غرب، إسلام.

اليوم نحن نعيش في فرنسا التي جعلتنا نؤمن بحقنا في الحرية والتعبير، أكثر من ذي قبل. فنحن الذين نُفينا من بلادنا وهربنا من ذبح معنوي ونفسي وروحي، ومن تهديد مجتمعاتنا لنا بالقتل والمعس، جئنا إلى هنا كي ننعم بحرية هذه البلاد ونفتح نقاشاً أوسع حول مشاكلها أيضاً وتعدياتها كنظام. لكننا لا ننكر أننا نعيش في بلاد قدّمت لنا ما فقدناه في بلادنا الأم. مؤلم أن أشعر بخوف في هذا المجتمع الذي جئته بشنطة واحدة، لا أتحدّث لغته، ولا أعرف طريقاً لي. ثم سهّل لي الكثير وفتح في قلبي مسارب كثيرة. ولولا الحرية التي تصونها الجمهورية ومعها قيمها، لم استطع أن احكي وأكتب كما أشاء. مؤسف أني، كمسلم لم أختر أن ألد في بيت مسلم، وباسم لم أختره، أن أجدني مرعوبًا، أقف بين سكّينين: سكين الذباح وسكين اليمين القادم.

في هذه اللحظة التي أنهي فيها مقالي، كنت أستمع الى القرآن بصوت صلاح الدين كبارة، شيخ مقرئي طرابلس. هذا الشيخ الذي عبره سمعت القرآن أول مرة، إضافة الى أناشيد حسن الحفار وتوفيق المنجد. أعيدوا لي هذا الإسلام الذي علّمني المؤانسة والوصال.