أن تكون في لبنان اليوم

أن تكون في لبنان اليوم هو أن تعيش في انتظار الهجرة، أو أن تعيش مضطرًّا للهجرة. أيّامك معدودة هنا، فماذا تفعل في ما تبقّى من الوقت إن كنتَ لا تدرك مدّته؟ لا يمكن الهروب من هذا السؤال في بلدٍ اعتاد على تصدير البشر أو طردهم، من خلال كسر إرادتهم وتعويم اقتصاده على ظهورهم.

خط النهاية لوجودك هنا مجهول. فهو غائب عن إرادتك: إمكانية الحرب الدائمة، حتمية الانهيار الاقتصادي، تكرار الاغتيال السياسي، تزايد انقطاع الكهرباء، تدهور مقوّمات الحياة… كلّها وساوس تحافظ على قلقٍ وجوديّ يذكّرك بهشاشة بقائك هنا. تعلم أنّ المقبل من الأيام لن يكون أفضل ممّا سبقه، تحاول أن تتخيّل مجريات الأحداث. بلا نتيجة.

أن تكون موجوداً في لبنان هو أن تُرمى في عالم يتحرّك رغماً عن إرادتك.

سعر صرف الدولار يهبط عليك من فوق، المصارف ترهن أموالك، الكهرباء تُقطَع من دون علمك، تصلك فتات أخبار عن الحكومة وتشكيلها، قد تكون سياسية أو تكنو-سياسية أو تكنوقراطية، ڤيغان مع لحمة أو ڤيغان بلا لحمة… تكتشف يومًا بعد يوم أنّك لا تملك أدوات للتأثير في هذا العالم، أنّ التأثير عليه وهم. هو بات أقرب إلى قوى طبيعية، قوى لا نستطيع تطويعها. تحاول التصالح معها، أن تنصهر فيها مع غيرك. فتهرسك. الطبيعة قاسية هنا ولا سلام لك معها.

أن تكون موجوداً في لبنان يعني أن المجال العام يضيق بك يومياً.

تتلقى دعوات للتظاهر، باتت تتحرّك على إيقاع سعر الصرف. تعلم أن فولكلورها لن يؤثر في التوازنات الدولية والإقليمية، والتسوية التي تطبَخ، كي «نضع حداً لتدهور سعر الصرف» أو «نيل ثقة المجتمع الدولي» أو «إطلاق عجلة الإصلاح»، هي في مكان آخر، بعيدة عن ساحات التظاهر. سينزل عليك «الحل» من فوق، كما ينزل عليك سعر الصرف، فتجتمع مع آخرين لكي تتلقى هذا الحل بصمت أو بتذمّر. تعلم أنك تنتظر معجزة، وتعلم أنها لن تأتي، ولكنك تنتظر.

أن تكون موجوداً في لبنان اليوم يعني أن السياسة باتت انتظار.

يعني أن الاستثمار في النشاط السياسي مضيعة للوقت، او استثمار قد ينتهي في أي وقت. تجادل في ما هو نظريّ حتى تملّ منه، وتتفادى الأخبار اليومية الباهتة. فالنظريّ في متناولك، يناسب حالة الانتظار هذه. تتخبّط مع كيفية التغيير في نظام كهذا، وبسهولة تجد مغالطات في برامج اتّبعها غيرك… لكنّ الأهم هو عجزك أمام الواقع. ما يمكنك فعله هو انتظار الأحداث، فما سبق من تجارب لا يُبنى عليه.

أن تكون موجوداً في لبنان اليوم يعني أنّك تدرك أنك مضطر للهجرة.

هو أن تسمع تذمّر سائق الأجرة من الأسعار والدولار والغلاء، دون أن تجد مكانًا لصرف الغضب والإحباط.
هو أن تكون وحيداً، كما غيرك، بمواجهة واقع يهرب منه مَن يستطيع.
هو أن تودّع وتستقبل، وتودّع أكثر ممّا تستقبل. وتنظر إلى مَن لم يتّخذ قراره بعد. وتنظر إلى نفسك بقلق.
هو أن تعلم أنّ هجرتك مهما كانت صعبة باتت امتيازاً غير متوفرّ للجميع. ولكنّها أصبحت دورك الوحيد. اذهب. اصمت. أرسل المال.

أن تكون في لبنان اليوم هو أن تكون أسير الانتظار، تنتظر معجزة، أو الأپوكاليپس، أو الهجرة.

لكَم تمنّينا لو أنّ كلّ ما يحدث ليس سوى كذبة أوّل نيسان

لكم تمنّيتُ، مثلاً، لو أنّ ما حلّ براتب والدي لم يكن سوى كذبة أول نيسان. لو أنّ هجرة أخي، كذلك، لم تكن سوى كذبة أول نيسان. لو كان ليقول: عم بمزح، هيدي الصورة على شط صور، بعد أن يُرسل لنا صوَره من شواطئ أستراليا.

الشحار

ما هو مؤرَّخ عن الكلمة هو أنّه في عاداتنا السابقة في المآتم، حين يموت شخص عزيز، يقوم الأقارب والأهل بوضع فحم أسود على وجوههم ليتشحّروا حزناً على الفقيد، وهذا هو أصل الكلمة الحقيقي