إعلان الهزيمة

ركنتُ السيّارة عند مدخل الجحيم، مدخل منطقة مار مخايل- الجمّيزة، الشارع الموازي لموقع الانفجار تلك الليلة. ظلام كثيف، أنوار سيّارات الإسعاف وأضواء بعض الهواتف فقط تنير بقعاً مغبّرة وزوايا مدمّرة وزجاجاً منثوراً بكثرة على الطريق والأرصفة. انتظرتُ إشارة من أصدقائي الذين غادروا منزلهم على عجل بعدما تهدّم جدار المبنى الذي يقطنونه.
الجمّيزة اختفت، قالوا لي. لا تدخلي.

بقيتُ عند مدخل المنطقة التي اعتادت أن تكون جميلة وحيويّة، وكنت أحبّ ارتيادها في النهار لأراقب تفاصيل مبانيها القديمة ومقاهيها وناسها. انتظرتُ في العتمة، أستقبل على الرصيف وجوه الناس القادمين من «الداخل»، وجوهاً متعبة، صفراء، متعرّقة، مدمّاة، شاردة، صامتة، مصدومة…
مجموعات هائمة تخرج بوتيرة بطيئة من بقعة الظلام، إلى أين يذهبون بعيونهم الشاخصة في الفراغ؟ أين أغراضهم؟ شريط صور الحرب الأهلية إيّاه يعود إلى الذاكرة فوراً، كما صور تفجيرات 2005 وعدوان تموز 2006، صور أشخاص خرجوا من منازلهم من دون أن يتسنّى لهم إحضار الضروريات أو انتعال أحذيتهم حتى. هناك، وسط الدمار نتفادى النظر في عيون بعضنا، وكأننا نخجل من سقوطنا ضحايا كلّ مرّة بطريقة أعنف وأقسى.

هواء بيروت أثقل من المعتاد، الرطوبة هذه الليلة محمّلة بغبار سامّ. قيل إنّ المادة التي انفجرت في المرفأ سامّة، وإنّ الهواء بات خطراً على الصحّة وأنه علينا أن نكون حذرين في التنفّس. ها قد وصلنا إلى ما كنّا نردّده على سبيل المزاح: هذه السلطة المتوحّشة ستسلبنا الهواء الذي نتنفّسه لو استطاعت ذلك. سحبوا أنفاسنا بالفعل، آخر صِلاتنا بالحياة، فاختنقنا في العراء متعبين مسلّمين أمرنا للعدم.

كيف سننهض هذه المرّة؟ هل لدينا القدرة على النهوض أصلاً؟ ماذا لو أردنا أخذ استراحة من واجب الحياة هذه المرّة؟ ماذا لو تنازلنا بكامل إرادتنا ومن دون ندم عن مهمّة إذهال العالم بقدرتنا على الصمود والقيامة؟
أريد أن أعلن أن وحش السلطة انتصر أخيراً ونهائياً، وأن أسلّم أمري للهزيمة وأرتاح. لا أقوى حتى اللحظة على شتم القتَلة المعروفين كما اعتدتُ أن أفعل بأعلى صوتي منذ انتفاضة 17 تشرين، لم أستطع التعبير عن غضبي بعد. حزنٌ منهِكٌ فقط، الحزن إيّاه، حارس مدخل النفق، أذهب إليه بملء إرادتي وأناجيه.

لا أستطيع الصراخ ولا رغبة لديّ في تحديد المسؤوليات ولا في المطالبة الشرسة بالمحاسبة. لا أريد أن أقاوم. كلّ ما أريده ربما، هو أن أفرغ ذاكرة الأطفال من لحظات الفزع وأن أغسل مخيّلتي من وجوه الأمس وأن أكفّ عن سماع صوت تلك المرأة (بعمر والدتي) الخارجة من الجحيم، والتي نظرت إليّ منكسرة منهكة وقالت: «الحمدلله عالسلامة». آن أوان الاستسلام يا امرأة، عن أيّ سلامة نتحدّث وعلامَ نحمد ربّنا بالضبط؟ نحن لم نسلَم من أي شيء منذ زمن بعيد، ألا ترين؟

أمس، لم نمت في انفجار ألفي طن من المواد السامّة المكدّسة بيننا، لكننا لم نسلَم أيضاً من كلّ ما حصل وما سيحصل. أخذوا أعمارنا والأنفاس الباقية. كيف نقاوم بعد ولمَ؟

انفجار طائر الفينيق

لكن إذا قتل طائر الفينيق، فإنّه يموت، ولا يولد من جديد كأننا دائماً محكومون بتخيّل واقع أسوأ لنخلق الأمل لا نريد أن تعزّز الأزمات قدرتنا على الصمود الانتقام والعدالة لا تنبثقان من قاعات المحاكم الفاسدة أو لجان التحقيق المركبة

وأخيراً، بكيت اليوم

كنت برّا بيروت وقت طلع الانفجار يفجرونا إيه. لأن يلي بعد 3 إيام من وقوع الجريمة، ما طلع اعتذر بكيت من التعب. ع بيروت يلي دمروها بالحرب لعناصر الدفاع المدني يلي انبعتوا يطفوا الحريق بلا ما حدا يقلّن شو رايحين يطفوا لثورة تشيل ما تخلّي.