إلى أبي: حان وقت الانتفاضة

لعلّ أكثر لحظات أبي تعبيراً هي عندما «يصفن». في الآونة الأخيرة، أعادتني صفنات أبي بالذاكرة للمرّة الأولى التي أدركت فيها عجزه أمام الأمر الواقع. ففي إحدى ليالي عطلة الصيف، عندما كنّا نزور أبي في الإغتراب، واجهتُه وعاتبتُه والدموع في عينَيّ، على غيابه عنّي وعن أخواتي وأمّي في لبنان، وعلى استيائي من عدم مشاركته لحظات طفولتي. غصّ أبي وتفاجأ بمصارحتي إيّاه. ثمّ ردّ على عتابي بنبرة الـ«لا حول ولا قوة»، أنّه مضطر للعمل في الغربة لكي ننعم بحياةٍ هانئة وتعليمٍ لائق، بسبب عدم امكانية تحقيق ذلك في لبنان. وعندما أكملت العتاب رافضاً أن أتقبّل هذه المعادلة، أجاب أبي بالصمت وصفن من جديد. فدموع ابنه أيقظتْ فيه الحسرة على فراق عائلته، وربما شعوره بالعجز أمام هذه المعادلة.

تقاعد أبي وأمّن لأولاده التعليم في أفضل الجامعات، لكنّه عاد اليوم ليصفن. فاللصوص الحاكمون، في الدولة والمصارف، لم يتوقفوا عند قطع الأوصال والمساهمة في تهجير مئات الآلاف من الشباب والشابات، بل يهدّدون اليوم بوضع يدهم على مدّخرات آباءٍ ضحّوا بشبابهم في سبيل حياةٍ أفضل لهم ولعائلاتهم لكي يدعّم اللصوص الاقتصاد نفسه القائم على هجرة الشباب وتحويلاتهم الماليّة الى لبنان.
صفنة أبي اليوم، كالكثير من الآباء، تختزل وجعاً وقهراً أكثر من صفنة الاغتراب، لأنّه رغم كل تضحياته لم يستطع منع اللصوص الحاكمين من سرقة مستقبل أولاده وحرمانه من تقاعدٍ هنيءٍ مستحقّ.

مثل كثيرين ينتمون إلى جيل الحرب الأهليّة، أراد أبي أن يبني حياته المهنيّة بعيداً من الفوضى والوسائط والمحسوبيّات والنهب المافيوي، وكان لبنان بالنسبة له المصيف ودار التقاعد المستقبلي لا أكثر. فعبثيّة الحرب الأهليّة ووحشيّة زعمائها نفّرت هذا الجيل من السياسة التي قرّروا أن ينأوا بنفسهم عنها. فهم لم يطلبوا الكثير. جُلّ ما أرادوه هو حياة طبيعيّة حيث من «جدّ وجد، ومن زرع حصد». وربّما دفعتهم رغبتهم الجارفة بحياةٍ طبيعيّة إلى حالة من النكران، فظنّوا أنّ بإمكانهم عزل أنفسهم عن النظام القائم.

أمّا اليوم، فنظام النهب المافيوي الذي كان السبب الرئيسي في هجرة جيل الحرب الأهليّة يهدّد بخطف حصاد سنوات شبابهم في الغربة والمهجر. فالنهب لا يميّز بين ثروات المغترب والمقيم، ومهما حاول الأفراد الانكفاء عن التعاطي السياسي مع نظام كهذا، ستظلّ جيوبهم ومدّخراتهم هدفاً لمافيات الدولة والمصارف.

يا أبي، سبقك الشباب والشابات اليوم بالانتفاضة في وجه هذا النظام المافيوي البائس.
أقول سبقوك لأنّك أنت، كمئات الآلاف من الآباء الكادحين، من أكثر من عانى من تمادي المافيات الحاكمة في سرقة أتعاب الناس وتضحياتهم. لذلك، فإنّ مكانك اليوم هو إلى جانب الشباب والشابات في ساحات الانتفاضة. ولكي نحقّق الشروط لحياةٍ حيث يمكن أن يكبر الإبنُ فيها مع أبيه في هذا البلد، لا بديل لنا عن الانتفاضة.