إنّه المخيّم

«لاجئة فلسطينيّة»، هكذا أُعرّف عن نفسي في البيت والشارع والجامعة، وفي كلّ مرّةٍ أتعرّف فيها على أحدٍ.
«أنا لاجئة فلسطينية»، وهذا تعريفٌ سياسيّ، بل سياسيّ جداً.
تخبرني أستاذتي في الجامعة أنّي أمتلك نظرةً مختلفةً تحمل الكثير من النسويّة والفلسطينيّة واليساريّة معاً، وهي التي تساعدني على رؤية الأمور من منظوري المختلف. أسمع تلك الكلمات، وأردّد في عقلي: إنّه المخيّم.

أن أعيش في مخيّم يعني أن أعي تمامّا شعور العجز في الشوارع والطرقات، أن أعي كيف يموت الأطفال في رصاصاتٍ طائشة، وكيف ينتحر آخرون بسبب عجزهم عن تسديد الأقساط.


في الصيف الماضي، قالت المخيّمات كلمتها. انتفض الفلسطينيون بعد قرار وزير العمل التعسّفي الذي اعتبر اللاجئ أجنبياً، بعد 71 سنة من اللجوء والانصهار. حراك المخيّمات بلور وعينا من جديد. فأن تخرج أكثر الأماكن تهميشاً عن صمتها هو بحدّ ذاته ثورة، ثورة على الذات وثورة على السلطة التي تقمع هذه الذات.

ولعلّ خروجنا من المخيّم ورؤية إقصاء المناطق اللبنانية أيضاً ساعدنا في إيجاد رابط واضح بيننا وبينهم في النضال. يساعدنا تاريخنا النضالي المشترك في إيجاد هذا الرابط. فهذه السلطة التّي تُقصي اللبناني الفقير سياسياً ومناطقيّاً، تقصينا أيضاً وبطريقةٍ أعنف. هذه السلطة التي تُعطي مواطنيها حقوقهم بناءً على طبقتهم الاقتصادية، تنفينا عن حقوقنا منذ زمن، وتعزلنا عن الآخر اللبناني والفلسطيني بطريقةٍ أعنف من عزلها اللبنانيين أنفسهم مناطقياً.

لكنّ المؤسف أنّ الحراك استمرّ 12 أسبوعاً دون تفاعل لبناني حقيقي واضح، باستثناء بعض الأفراد اللبنانيين والجماعات النسوية الذين يضعون اللاجئين كأساس في خطابهم. فأضيفت خيبتنا من الشعب المجاور إلى خيبتنا من فصائلنا، من أحزابهم، ومن سلطاتنا الفلسطينية وشعبنا الفلسطيني في فلسطين. لكنّ هذه الخيبة، وإن تعزّز شيئاً، فهي تزيد من خصوصيّتنا كفلسطينيين في لبنان، وتؤكد على فرادة وضعنا. الفلسطينيون في لبنان متفرّدون في تاريخهم، ومعاناتهم، ومعركتهم مع السلطة والاستعمار.


في السابع عشر من تشرين الأول، اندلعت الثورة اللبنانية. نسينا التخاذل وهرولنا الى الشوارع، حاملين في داخلنا محصّلة أسئلتنا الوجوديّة. كسرنا الحواجز لأننا آمنّا بأنّ حراك المخيّمات سيتبلور مجدداً في الساحة اللبنانية. لكن، مرّة أخرى، صفعَنا الواقع وخيبة الأمل.

كنا ننتظر ترحيباً أوسع. كنّا ننتظر محاربة الشعب اللبناني لسلطته بوضع محاربة العنصرية كأساس في خطابه، باعتبار اللاجئين قضيّة منفصلة أساسيّة بحدّ ذاتها. كنّا ننتظر استغلال هذه اللحظة التاريخية لمحاولة إعادة إدراج اللاجئين كجزء من الشعب اللبناني، بتشجيع الفلسطينيين للخروج من كنتوناتهم في المخيّمات. كنا ننتظر يداً ممدودة تجاهنا من اللبنانيين. لكن، عبثاً انتظرنا.

بادرت السلطة اللبنانية هذه المرة أيضاً إلى اتهام الفلسطينيّين وغيرهم من اللاجئين بإشعال الشارع لزجّهم في صلب فشلها. لكنّ المشكلة الأكبر تكمن في أنّ العديد من اللبنانيين- أفراداً وجماعات- يعتقدون أنّ القضية الفلسطينية هي فلسطين وغزّة والضفة والـ٢٧ الف كيلومتر، ونحن ما زلنا مصرّين على أن فلسطين هي الإنسان الفلسطيني، والنضال من أجلها هو النضال من أجل إنسانها لا مقدّساتها. المقدّس الأساس في هذه القضية هو الإنسان، واللاجئون في لبنان أقرب إلى اللبنانيين من غزّة والقدس. أنا أعيش معكم على البقعة الجغرافية نفسها، تاريخي يضعني في موقع المدافع عن هذه الأرض، ولا يمكن لأحد أن يُلغي تاريخي.


لم يكن هذا التخاذل مُستبعَداً. فحراك المخيمات عرّاهم من أقصى اليمين الى أقصى اليسار، إلى كل الجهات التي تضع القضية الفلسطينية أساساً لخطابها. 

تركت مكتبَ أستاذتي وهرولت مسرعةً إلى عملي، وأنا ما زلت أردّد: إنّه المخيّم. كلّ هذا وأكثر، كان المخيّم.