إيجار السكن

أفتحُ كلّ يوم عينيّ على منشورات عبر «فيسبوك» لجموعٍ من المقيمين في بيروت يبحثون ويبحثن عن شقق للإيجار، أو غرف للسكن. أقرأ تعليقاتهم/هنّ جميعها، تعليقات ملؤها الاستياء والتذمّر من جشع ملّاك العقارات وعدم القدرة على إيجاد مسكن لائق وطلبات من نوع بدي سكن ببيروت بلا ما بيع كليتي. فالملّاك يرفعون الإيجارات ويتلاعبون بها، كلّ حسب مزاجه، بوتيرة تفوق قدرة استيعاب المقيمين في البلد وسط الانهيار، عدا عن أولئك الذين بدأوا يطالبون المستأجرين بالدفع بالدولار.


تنهار المدينة، ولا تفقد معها مقوّمات العيش الأساسية فحسب، من كهرباء ومياه ووقود وأدوية، بل أيضًا تُفقدنا المسكن اللائق. فيجد المرء نفسه مضطرًا للعيش في أسوأ الأماكن، كي لا يبقى في الشارع، وتصبح بيروت المتآكلة ثقيلة على حمل أوجاعنا، ويصبح الملجأ هو المنفى، وإيجار السكن عائقًا أمام الاستمرار في بيروت.

تركت سكني الشهر الفائت، لأنني بطبيعة الحال أدفع إيجار غرفة بلا خدمات مقابلة. ومع تركي بدأت رحلتي الطويلة مع التشرّد. فبين المخيّم في صور وبيروت 81 كيلومتراً وكثيرٍ من الوجع والآمال المحطمة والملقاة على قارعة الطريق، وخيبة وخذلان ومرحلة متمثّلة بانعدام الأمان، وشعور دائم بأنّ الأماكن ترفضك وتصبُّ فيك جلّ هزائمها. تأكلك المدينة بوجعها، مثلما تأكل نفسها وتموت من الداخل.

لكنّ النظام القائم على الفردانية يجعل كلّ واحد منّا مضطرًا للسعي وراء الخلاص الفردي. ففي الحديث عن الإيجارات، يبحث المرء وحيدًا، رغم حالة التشرّد الجمعية، عن مسكن لائق، وقد يضطر البعض الآخر من المقتدرين والوافدين إلى دفع وعرض مبالغ أعلى، كي يحصلوا على حدّ أدنى من الخدمات، ممّا يساهم بدوره في رفع الإيجارات في السوق.

رغم ذلك، يبقى انقطاع الخدمات في بيروت أخف وطأةً على المرء منه في الأطراف. فعندما تنقطع الكهرباء في المخيّم، المقطوع فيه الإرسال أصلًا، يصعب الوصول إلى المدينة، مثلما يصعب إيجاد مواصلات، و«كافيه» سعرها مناسب يمكنك استخدامها لشحن الالكترونيات.

على الصعيد الشخصي، كان خياري الفردي أن أتوقّف عن البحث عن مسكن جديد، بل وأن ألغي الفكرة تمامًا، وفضّلتُ صعود ثمانية طوابق سيرًا على الأقدام مرّتين على الأقل يوميًا، من الاضطرار لبيع أحد أعضائي أو الانفصال عن العالم.

ووجدت نفسي أردد لنفسي الخطوات الأنسب لصعود 8 طوابق في ظل انقطاع الكهرباء شبه الدائم في لبنان:

بإمكانكِ اللعب على تكذيب عقلك أنك تصعدين 8 طوابق مشي فعلًا.

فكّري وانت تصعدين في إيجابيات صعود السلالم، في كمّ السعرات الحرارية التي تتخلصين منها، في مادةٍ ما يمكنك إنجازها خلال الوقت الذي تصرفينه، في ردود فعل مناسبة لأحاديث وصراعات متخيلة في ذهنك، في خططك الخيالية مع حبيبك الذي لا يعلم بعد بوجودك.

تخيلي نفسك تأكلين طبقك المفضل، ترقصين أمام جمهور حاشد… الأهم إياكِ وعدّ الطوابق. عدّ الطوابق لعنة، تمامًا كالبحث عن مسكن في هذه المدينة. إسألي مجرّب حلّت عليه لعنة. 
إذا كنتِ تحبّين المفاجآت، حاولي أن تقنعي عقلك أنّ لا أزمة كهرباء في لبنان، أو تناسي الموضوع تمامًا، ربما بإمكانك تناسي أصلا أنك في لبنان، عندها فقط ستصلين إلى المبنى وتجدين كهرباء ومصعداً في آن.

قد يبدو هذا الكلام إيجابيًا ساخرًا، وهو كذلك فعلًا، إنها إيجابية شخص لا يصدّق أنه بدأ يتأقلم على غياب أشكال الحياة. لكن إيجابيتي السوداء لن تخفف من وطأة اختيار التأقلم مرغمةً. في هذه المدينة، لا خيارات أمامنا، فإمّا أن نتأقلم وحيدين، بما تبقى لدينا من قوى مادية ونفسية للتحمّل، وإمّا أن نموت، وحيدين.

مــــــلــــــف
سجلّ الانهيار

يحاول ملف «سجل الانهيار» أن يلتقط معالم ومعيش حالة انهيارنا الحالية. كل أسبوع، كلمة أو ممارسة أو مكان أو عادة أو فكرة، يتناولها كاتب أو كاتبة، لكي يـ/تصف تحوّلاتها أو التغييرات بمعانيها. على مدار الأسابيع والنصوص، نطمح إلى بناء أرشيف مفتوح أو قاموس متعدّد الأصوات لحالة الانهيار، علّنا نجد فيه بعضًا من الثبات في تشارك التجارب والمعاني. الدعوة مفتوحة للمساهة في هذا الملف، من خلال اختيار كلمة (قد تكون ممارسة أو إحساس أو عادة أو مكان…) ومحاولة وصف مآلاتها بعد أكثر من سنة من التحوّلات.


رسالة من عواطف، إليك

أنا يا صديقي، ككثر في هذه البقعة، يصيبني القلق… وعندما يسيطر: أضحك. هل كنت تعرف أنّنا نضحك قلقاً؟ وهل تعرف أن القلق بالنسبة لعواطفنا هو كرجال الأمن بالنسبة للمتظاهرين؟ ما أن تحاول عواطف التعبير عن حضورها، حتى يكشّر القلق عن أنيابه بابتسامة أو حتى بنوبة من الضحك، تختفي العواطف قسراً

استوَيْنا

تركها الحجر وحدها معهمصراخ جارتيتصارع للحصول على نفقةفقر الدمّ أنهكهاتحمد الله أنّها ترضع طفلتهاها قد ناهزت السبعين وتريد الثأرتدّخر ما يأتيها من دولارات