إيلي الفرزلي روحاً للدولة

في مقابلتين مع الجديد والأو تي في، يختار إيلي الفرزلي أن يقحم النص القرآني في سجاله مع الثورة: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.
ولأي غاية؟ لإثبات عدم تساويه مع الشابات والشبان الذين طردوه من المطعم البيروتي، ومع الثورة إجمالاً. فهؤلاء بنظره غير قادرين على تمييز الصالح من الطالح. وحده إيلي الفرزلي إذاً، ومعه أصدقاؤه في النادي الحاكم، يستطيع معرفة ما إذا كان إيلي الفرزلي وأصدقاؤه فاسدين أم لا… ممتع.

الاقتباس القرآني هذا لا مبرّر له في السياق، كمصحف على رأس رمح. مجرّد إيحاء بامتلاك القائل شرعية المقدّس، وتفوّقه عبر اجتزاء الآية

(أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)

بشكل أقلّ ما يقال فيه أنه سطحي. فعن أي علم تتحدّث الآية؟ وعن استواء أمام مَن وفي أي ميزان؟ لكن أي هيبة لتأويلات الفرزلي القرآنية في بحر الفضائيات الإسلامية وبرامج الإفتاء المباشر! أرشيف يعيد إنتاج نفسه إلى ما لا نهاية في صورة استعلاء واستخفاف بعقول الناس. مقام بين التلفزيونَيْن الحكوميَّيْن اللبناني والسوري.

يعتقد الفرزلي نفسه بليغاً محنّكاً قويّ الحجّة. وهو فعلاً كذلك… بمعايير النصف الأول من القرن العشرين، وذلك في أكثر الاعتبارات تفاؤلاً.

يقول إنه يستند إلى شرعية تمثيله «منطقته»، واصفاً الثوّار في المقابل بأنّهم قادمون من اللامكان. هذا اللامكان الذي يتحدّث عنه هو في الحقيقة: لبنان. ما يصفه بـاللامكان ليس إلا اجتماع لبنانيّين من كل المناطق في معركة مشتركة على ظروف عيشهم وواقعهم اليومي. هو اللامكان لأنّه لا مكان القبيلة ولا الطائفة ولا الحزب، لأن الفرزلي بعدما أفتى بعدم رشد عقول الثوّار وفساد موازينهم، يريد تجريدهم من الانتماء.

وبعد التحقير والإقصاء يدقّ ناقوس الضرورة الأمنية مطالباً بـالزجر والردع (هناك اعتداء يومي على المواطنين وحرق للدواليب في الأنفاق وإغلاقها ورمي للمسامير على الطرق وإقفال للطرقات العامة، والاعتداء على كرامات الناس وممتلكاتها وقد رأينا انه آن الآوان لتفعيل دور المؤسسات الامنية بطريقة رادعة زجرية)، مكملاً بذلك أركان التكفير بحق الثوّار.
لن يحتاج إيلي الفرزلي بعد اليوم لتهمة فساد أو نهب آو استغلال نفوذ كي يحتلّ مكانةً خاصةً في مشهد السلطة وقلوب الثوّار. فقد توّج نفسه آيةً وروحاً لسلطة منعدمة الكفاءة ومتكبّرة في آن، يختلط الأرشيفي فيها بالاستبدادي. قمعٌ مثير للشفقة، كأن يسقط نصف قنابل الغاز المسيل على سطوح المباني المجاورة. فوقيّة صادمة بلاأخلاقيّتها، كأن تحتجز مديرةُ بنك أموال مودعيها وتسخر من المسنّ فيهم وتستضعفه.


تستيقظ البلاد على وقع اعتقال عشرات الثوّار واستدعائهم في مختلف المناطق اللبنانية وتحديداً في الشمال. تصعيد قمعي ملحوظ مهّد له أسبوع طويل من الزمجرة السلطوية الوقحة، على شاشات تلفزة لم ترَ في الثورة يوماً إلا مادة تسويقية تتفاوت ربحيتها بتفاوت إغراءات الانتفاع من رأس المال الحاكم. شاشات تغازل فارّاً من العدالة مثل كارلوس غصن الذي يعترف بلا خجل بزيارته العدو الاسرائيلي وتعاونه المهنيّ مع دولته، فيما يعتقل الجيش والقوى الأمنية مواطنين عزّل أرادوا حقّهم في الكهرباء أو في ودائعهم المسروقة.

من إيلي الفرزلي إلى جبران باسيل إلى رياض سلامة، نحن أمام سلطة تستعيد جبروتها أو تحاول. لكنّ الوجه الأزليّ لإيلي الفرزلي يختصر وحده جوهر الإهانات التي نتلقّاها يومياً على أبواب المصارف، وفي مناورات سعد الحريري السياسية الطائفية على حساب اللبنانيين، وفي دموية شرطة المجلس، وفي استهزاء الأمين العام لحزب الله، وفي «شلاعيط» جبران.

نستيقظ على سلطة مقتنعة في قرارة نفسها بأنها من جنس النبوّة. مؤمنة ومعها شبكة اجتماعية تسمّي نفسها نخبة، بأنها النور والناس ظلام. بأنها الحضارة في شعب همجيّ.

نستيقظ على من رنّت أذنه من صفعات العامّة في ساحات البلاد ومطاعمها وغرفها التجارية ومصارفها، ومَن لن يتهاون في رغبته تكسير رأسنا. لن يتغيّر هؤلاء ولن تعرف هذه البلاد عدلاً إلا بكسر شوكتهم. فللثورة هدف أعلنته في لغتها: نريد في الدولة وفي سائر السلطات خدّاماً أكفّاء للمصلحة العامة، لا أبطالاً وهميّين من اللازمان.

«وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون. ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون»

(البقرة 11-12)