استثمار الشيخ زايد

هابرماس يتراجع

تراجع الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس عن قبول جائزة الشيخ زايد الإماراتية للكتاب بعد أن قبلها، وذلك بعدما «نبّهته» مجلة «دير شبيغل» إلى انعدام الحريات والديموقراطية في الدولة المانحة للجائزة. لن تؤثّر الجائزة أو رفضها على موقع هابرماس أو مرتبته. وكان هذا الحدث ليمرّ سريعاً لولا الانهيار العصبي الذي أصاب أوساط الثقافة العربية. ففي بضعة أسطر فضفاضة، فضح هابرماس «سرّ» هذا الحقل الثقافي، وفرض على الجميع ضرورة الالتفاف إلى شروط وجود هذا الحقل.

عن سياسة رفض الجوائز

الجوائز الثقافية موجودة لكي تُرفَض. أو بكلام أدقّ، رفض الجوائز جزء من تاريخها، مناسبة لسجالات تفضح المستور السياسي والمؤسّستي وراء أساطير الجوائز الثقافية، كما تنقد فرضية تجريد الثقافة التي غالبًا ما تنطلق منها تلك الجوائز. في تراجعه هذا، حوّل هابرماس «جائزة الشيخ زايد» من جائزة تجسّد «قيم التسامح والمعرفة والإبداع وبناء الجسور بين الثقافات» إلى مجرّد أداة دعاية إماراتية، كما وصفتها صحيفة «دير شبيغل»، هدفها تلطيف صورة الدولة المانحة.

من الطبيعي أن يرفض هابرماس الجائزة. هي جزء من سياسة ثقافية إماراتية (وخليجية) عمرها عقود، وهدفها السياسي المباشر تطبيع صورة دول الخليج عند جمهور غربيّ متخيَّل. فبعد سنوات من الاستثمار بالجوائز والمنح، كان المفترَض من تكريم هابرماس أن يشكّل عائداً لهذا الاستثمار، يضع تاريخ هابرماس وصورته في خدمة دولة الشيخ زايد.

لكنّ هابرماس لم يرفض فحسب، بل أخذ هدف الإمارات على محمل الجد: إن أردتم أن تستعملوا الثقافة من أجل تبييض صفحتكم، هناك شروط لسياسة كهذه، أوّلها استقلالية الحقل الثقافي عن المؤسسات الحاكمة. وهذا ما لم يفهمه مَن قارن بين تلك الجائزة وجوائز أخرى، استطاعت مؤسّساتها المانحة أن تنتزع هامشاً من الاستقلالية من دولها، غالبًا نتيجة سجالات كالتي أطلقها اليوم هابرماس بتراجعه.

هابرماس بين قطر والإمارات

أخد هابرماس الإمارات على محمل الجدّ. وهذا ما لم يفعله المثقّفون العرب الذين انقسموا على ضفّتَي الصراع الخليجي ومؤسساته الثقافية، والذين ما زالوا، رغم ارتباطاتهم بتلك الدول، يتعاملون معها وكأنّها مصدر مال يسيطر عليه حفنة من الجهلة، بحاجة لتنوير المثقّف العربي وعقلانيته.

فانتفض المثقفون المنضوون بالمؤسسات الإماراتية ليهاجموا هابرماس، تارةً انطلاقًا من قراءة سطحية لأعماله، وتارةً من موقفه المفترض من إسرائيل، متجاهلين عملية التطبيع التي أطلقتها الإمارات، والتي لم تؤثّر على موقعها ضمن الثقافة العربية. ولاقاهم في حلبة الصراع المثقفون المرتبطون بالمؤسسات القطرية الذين اكتشفوا فجأة حبّهم لهابرماس وإعجابهم بفلسفته، متناسين أنّ نقد الفيلسوف الألماني ينطبق على دور قطر أيضًا في الثقافة العربية، ومملكتها الثقافية التي باتت الموظِّف الأكبر لمثقّفي الأمّة العربية.

تراجع هابرماس وعاد إلى صمته، تاركًا وراءه كمّاً من التعليقات والتغريدات والمواقف التي إن كانت تؤكد على شيء، فعلى سلامة قراره الرافض للجائزة.

إنكزايتي الحقل الثقافي العربي

ما أظهره السجال العنيف الذي تلا قرار التراجع هو «أنكزايتي» حقيقية، يتشاركها الطرفان المتناقضان.

حاول البعض أن يعيّر المثقّفين العرب بقرار كهذا، مطالبًا إيّاهم بموقف مماثل. وهذا ما أجبر البعض الآخر للدفاع عن أولئك المثقّفين، من خلال الإشارة إلى امتيازات الفيلسوف «الأبيض»، ومن بينها امتياز رفض الجوائز. لكنّ المسألة ليست هنا، ليست في شتم مَن قبِل الجائزة سابقاً أو تبرير من سيقبلها في المستقبل. المسألة الفعلية هي أنّه ما مِن ثقافة عربية اليوم خارج شبكات التمويل والدعم والمؤسّسات والجوائر والأسواق الخليجية. ما من إعلام عربي يستطيع البقاء خارج هذا التمويل، وما مِن فنّ معاصر خارج شبكات التمويل هذه، وما من سينما، أو مسلسلات أو فيديو كليبات أو روايات أو جامعات… يمكن معارضة هذا الواقع أو التأقلم معه أو محاولة ترشيده، ولكن لا يمكن تجاهله.

فمن الممكن رفض جائزةٍ ما، ولكن لا يمكن، بعد اليوم، قيام أي حقل ثقافي عربي خارج هذه الشبكات. وهذا هو الواقع الذي أظهرته فضيحة هابرماس، واقع حقل ثقافي باتت بنيته المادية قائمة على تلك الشبكات. الجائزة، بهذا المعنى، ثانوية، والتركيز عليها وعلى بطولات الرفض، مع تجاهل هذا الواقع البنيوي، ليس إلّا محاولة لإعادة إنتاج أسطورة المثقّف الرافض للسلطة، والذي بات فلكلوراً ضمن واقع بنيويّ تسيطر عليه شبكات الدعم والتمويل.

الخروج من الـ«مع» والـ«ضدّ»

يتطلّب الاعتراف بهذا الواقع التعامل معه خارج ثنائية الـ«مع» والـ«ضدّ»، التعامل معه خارج ثنائية القبول به واعتباره خارج النقد أو رفضه واعتبار كل عمل فني طالته هذه الشبكات ساقطًا ومطبِّعًا. فإن أعجبنا الأمر أم لم يعجبنا، باتت المؤسسات الخليجية البنية الأساسية للحقل الثقافي العربي. وإن أعجبنا الأمر أم لم يعجبنا، تشكّل مع مرور السنوات حقلٌ متنوّع (وإن كان بحدود متغيّرة)، لم يعد من الممكن تلخيصه بالرغبات المباشرة لمموّليه.

هنا لن تنفع الـ«مع» والـ«ضدّ» في ضبط القلق الناجم عن هذه الوقائع.

هو قلق حقل ثقافي بات مطالَبًا بعد هذه الفضيحة بلفتة نقدية حول شروط وجوده، بالتقاط هذا السجال لكي يعيد معاينة حقل الممكن وتوسيعه، بدل ردّة الفعل قومية البائدة التي نشهدها. وهي لفتة نقدية ربّما تدفع لطرح مواضيع قد تكون ممنوعة، من سياسات العمل في الخليج إلى تركيبة الحكم في تلك الدول إلى الدور الذي تلعبه في صنع الثقافة العربية. وهي لفتة نقدية تنطلق من أخذ هذا الواقع على محمل الجدّ واعتباره أكثر من مجرّد مصدر سهل للدعم (في استمرار ضمنيّ للنظرة الدونية التي عانى منها الخليج من قِبَل «المثقّفين العرب»).

لكنّه أيضًا قلق صانعي هذه السياسة الذين تخيّلوا أنّه من الممكن أن يؤسّسوا لثقافة مضبوطة المعايير، يمكن استعمالها ضمن سياساتهم الخارجية. فنجاح سياسة كهذه يتطلب النقد والاستقلالية، كما أشار هابرماس، وإلا فإنّها تصبح كأي سياسة بيع وشراء، تنتهي صلاحيتها مع آخر دَفعة. فالرهان الضمني، وراء تماشي البعض مع امتداد تلك الشبكات، هو أن هذا الحقل، حتى لو كان تمويله سياسياً، لن يلخَّص بأصوله السياسية، وقد يُنتِج تحوّلات من الصعب السيطرة عليها. إنّه رهان طالب هابرماس بحسمه قبل قبوله الجائزة.

يمكن التكبّر على هابرماس والبحث في كتاباته عن استشراق ما، أو في تصاريحه عن ذنب ألماني تجاه إسرائيل. لكنّ هذا لن يلغي التحدّي الذي رماه هابرماس في وجه الشيخ زايد والحقل الثقافي العربي.

الخوف من الخوف

يوقِظ هذا العدو المجهول مشاعر الخوف والذكريات المزعجة وأخبار المآسي القديمة المدفونة في اللاوعي، الفردي والجماعي، ويتحوّل إلى كابوس يقضّ أماننا النفسياعتدنا التعامل مع عدوٍ خارجي، مرئيّ، مألوف، نعرفه جيداً ونعرف عنه، ما يساعدنا في مقاومته. أمّا وقد أصبح بيننا ومعنا وداخلنا، فهذا ما لم نعتدْهُ

بيروت: مدينة فوق الأرض

رواية «بيريتوس: مدينة تحت الأرض» نقل الأمر بصفاقة من دائرة «الإهمال» لدائرة «إهمال الإهمال» تجاوزت الخساسة الخيال، ولم تتوقّف مثل طائر القلمون يقبع هذا النظام في جوفنا فيا غضبنا، ابقَ معنا حتى نبدأ