استقالة وزيرٍ لم يكُن

بعد أسبوع من الشائعات والتسريبات التي اعتادت عليها السياسة اللبنانية، خرج وزير الخارجية ناصيف حتّي عن صمته وقدّم استقالته من حكومة «التكنوقراط»، احتجاجًا على أدائها. لم يشكّل هذا القرار أوّل حادثة استقالة يشهدها العهد ما بعد الثورة، وإن كانت أخطرها. فقد سبقه استقالة المستشار المالي للحكومة هنري شاوول ثمّ استقالة مدير عام وزارة المال ألان بيفاني، لتبدأ التناقضات المؤسِّسة لهذه الحكومة بالانفجار علناً، مع تطاير مستشار من هنا ووزير من هناك.

لم يُشِر بيان الاستقالة إلى أسبابها، واكتفى بترداد ترّهات عن «الأمل في صنع بدايات واعدة من رحم النهايات الصادمة»، والتحذير، كما فعل من قبله رئيس الحكومة، من تحوّل لبنان إلى «دولة فاشلة لا سمح الله». فأدبيّات الاستقالة لا تختلف عن أدبيّات تشكيل الحكومة من حيث الكلام الفارغ عن انهيار لا يبدو أنّ له أي ترجمة سياسية. فكلام الوزير المستقيل لم يختلف عن كلام رئيس الحكومة المتمسك بمنصبه. فهُم في الحكم ولكن خارجه، يعاينون فشل هذه الدولة كأي مواطن لم يبقَ له إلّا الأمل برحم النهايات الصادمة، بعدما منعت قيادة الجيش رحم الأحزان من توليد ثورة. لكنّ النتيجة تبقى أنّ الحكومة، في شقّيها المتبقّي والمستقيل، باتت خارج الصورة، مجموعة من الكومبارس لا وجود لهم إلّا من خلال تغريداتهم.

ربّما تخيّل حتّي نفسه وزيرًا عندما صاغ خطاب تنحّيه هذا، رجل دولة أعذر لأنّه أنذر. لكنّ أسباب استقالته، حسب التسريبات، تعود لكونه، كسائر زملائه في هذه الحكومة، مجرّد مستشار صدّق كذبة حكومة التكنوقراط. فالأسباب المتداولة عن استقالة وزير الخارجية تعود جميعها إلى استبعاده وتجاهله ومنعه من لعب دوره المفترض كوزير، أكان من خلال تنامي الدور الدبلوماسي لعباس إبراهيم أو محاصرته من قِبَل مستشاري جبران باسيل، أو حتى تخطيه من قبل حسان دياب وتغريدته المحذوفة. فربّما لم يفهم الوزير المستشار دوره جيدًا، وهو أن يكون واجهة لمن عيّنَه، واجهة عليها تكرار الترهات علنيًا وترك السياسيّين يقومون بالشغل الفعليّ. لم يفهم أو لم يُرِدْ أن يفهم، فما يجمع وزراء هذه الحكومة، بالإضافة إلى «تكنوقراطيتهم»، هو تضخّم صورتهم عن ذاتهم، تضخّم يقف اليوم حاجزًا أمام استقالتهم.

ربّما كانت هناك أسباب خفية وراء هذا القرار، من مخطّط أميركي لإسقاط الحكومة مرورًا بخلاف حول حياد لبنان والاتجاه شرقًا، وصولًا إلى القرار المرتقب للمحكمة الدولية في نهاية هذا الأسبوع. لا يمكن الجزم بتلك الأسباب، ولكن ما يمكن قوله بعد قرار الاستقالة هو أنّ هرطقة «حكومة التكنوقراط» قد انتهت، لتبدو مجرّد حكومة واجهة مشكّلة من كومبارس لا يصلحون إلّا لبعض السجالات الجانبية عن السحاسيح. فاستقالة الشقّ المالي أظهرت أن لا خطة اقتصادية لدى الحكومة، واستقالة الشق الدبلوماسي فضحت خواء السياسة الخارجية. أمّا الشق الأمني، فلم تستلمه أصلًا حكومة دياب التي تحوّلت إلى مجرّد شرطيّ لدى السلطة السياسية.

أصبح لدولة سعر الصرف الرسمي حكومتها الرسمية، وكلاهما ما عادا يعنيان شيئًا، إلّا محاولة إضفاء بعض الشرعية على الانهيار الذي نعيشه. فاستقالات الوزراء، أو حتى استقالة الحكومة، لم تعد تشكل حدثًا إلّا لنادي المستوزرين، في شقّيه السياسي و«المدني»، وبعض المتحمّسين لكواليس السياسة اللبنانية وتسريباتها. ولكنّ ما بعد خطاب التنحّي كما قبله، لا وجود فيه لحدث سياسي. فهذه الحكومة سقطت يوم تعيينها. دورها انتهى وقتها مع النجاح بتفريغ مؤسسات الدولة من أي فعالية سياسية. وإذا كان هناك من فائدة لتلك الاستقالات، فهي في تعرية ادعاءات النظام «المؤسّستية»، والقضاء على أي مطلب ما زال يتمسّك بتغيير حكومي كأفقه السياسي.

لبنان دولة فاشلة، حقيقة ما زلنا نستصعب قبولها. وتعيين هذه الحكومة، لا استقالة وزرائها، هو دليل هذا الفشل.

مَن الذي استقال؟

الشاشة مقسومة أراد الرجل الكئيب من استقالته مجرّد وجه يغطّي حالة الفراغ شكّل وهمًا لجيوش من الخبراء الذين أرادوا أن يبتزّونا

استقالات النوّاب: الغموض الدستوري والشرعيّة الشعبيّة

تتوالى استقالات النوّاب بشكل فرديّ النصّ يتعلّق بـ«مقعد» وليس «مقاعد» لمجلس الوزراء صلاحية حل مجلس النواب في حال امتناعه عن الانعقاد طوال عقد عاديّ مسار انتقالي بصلاحيات استثنائية