اسماعيل هنيّة على أكتاف اللاجئين الفلسطينيّين

بعد زيارة إيمانويل ماكرون مباشرةً، جاء رئيس المكتب السياسي لحركة حماس اسماعيل هنية مترئّساً وفداً مشاركاً في اجتماع الأمناء العامّين للفصائل الفلسطينية. حاول هنيّة توطيد العلاقة اللبنانية الحمساوية من خلال سلسلة زيارات لسياسيين لبنانيين، ابتداءً من نبيه بري وصولاً للأمين العام لحزب الله حسن نصر الله. جلس على نفس الطاولة مع مسؤولين لبنانيّين خلّفوا وراءهم مئات الضحايا وعشرات الجرائم بحقّ المقيمين على الأراضي اللبنانية، كان آخرها جريمة المرفأ التي لم تبرد دماء ضحاياها بعد. وفي إطار إقحام حماس نفسها بدور متناقض في صراعات ومحاور إقليمية، حاول هنيّة تطبيع العلاقات مع نظام عنصري قاتل فاسد هو النقيض المباشر للّاجئين الفلسطينيّين في لبنان.

السياسيون يقابلهم السياسيون لتحقيق مصالحهم السياسية المشتركة، لكنّ هنية أصرّ أن يستخدم ورقة اللاجئين لتوطيد العلاقات. فلم يكتفِ بالحديث باسمهم وباسم الكلّ الفلسطينيّ مدلياً بوعود عن الوحدة وإنهاء الانقسام، بل تعدّى ذلك إلى زيارة فريدة من نوعها لمخيّم عين الحلوة- أكبر المخيّمات الفلسطينية في لبنان وأكثرها اكتظاظاً وإثارةً للجدل.

وفي خطاب مبتذل، مليء بالوعود الوهميّة، ووسط حشد من سكان مخيم عين الحلوة، أكّد هنية على تمسّك اللاجئين بحق العودة، كما ذكّر بالدور الذي لعبه الفلسطينيون في اجتياح بيروت العام 1982، وصرّح بأنّ الصواريخ التي ستقصف تل أبيب ستنطلق من بيروت.

لا يبدو الخطاب إلّا محاولة لتأجيج المشاعر العاطفية لدى اللاجئين الفلسطينيين. لكنّ محاولة هنيّة هذه التي استذكر فيها أمجاد الماضي رامياً في وجوهنا مبلغاً قدره مليون دولار، تبدو عبثيةً وساذجة ومنتهية الصلاحية منذ خروج الفدائيين من لبنان.

فهل يعرف هنيّة طبيعة الحياة التي عاشها ويعيشها الفلسطينيون في لبنان ليشيد ويؤكّد على استمرار صمودهم؟
هل يعرف تاريخياً كيف تمّ وأد الدور الثوري للّاجئ الفلسطيني وتحويله لكائن مجرد من إنسانيته يبحث عن أدنى مقوّمات الحياة؟
هل يعرف كيف تغيّرت وجهة السلاح الثوري؟
هل يعرف كم مرّة قتلنا هذا النظام وتراقص على دمائنا؟
هل يعرف كم مرّة يفكّر اللاجئون بالهجرة؟ أو حتى عدد اللاجئين الذين هاجروا في السنوات الأخيرة بطريقة غير شرعية؟
هل يدرك هنية أنّ المقاومة التي يعوّل على صواريخها في بيروت لقصف تل أبيب لا يعلم أمينها العام ماذا يوجد في مرفأ بيروت؟

لا يمكن لهنيّة أن يعيد أمجاد الـ1982. فحماس وحزب الله تعملان لأجندات خارجية تحت راية المقاومة، وهما بعيدان كلّ البعد عن أي حركة تحرّر شعبية، بل وقاتلان لتلك الحركات، ابتداءً من قمع حكومة حماس لغزّة والمهادنة باسمها، مروراً بحماية حزب الله النظامين السوري واللبناني في وجه شعوبهما.
———————————-
روح حرّرها من بلدك، عبارة بصوت لبناني تصدّرت مواقع التواصل الاجتماعي عقب تصريح هنية. تبدو هذه العبارة طبيعية عندما توجَّه لرئيس مكتب سياسي لحركة تعتبر نفسها المخلّص الأول للقضية الفلسطينية. لكنّها تبدو سامّة جداً وعنصريةً وغير مرحّب بها عندما تُوجَّه للّاجئين.

سيرحل هنيّة وستبقى في آذاننا نبرة الـروح حرِّرها، وسيبقى الفدائي الرافض منتهي الدور مرمياً في زواريب المخيّمات يشتم كل القيادة الفلسطينية.

سيبقى تململ وسأم الفلسطيني الذي يعرف عدوّه، لكنّه عاجز عن صياغة جملة سياسيًة واحدة، وستبقى آثار القتل والعنصرية اليومية محفورة في ملامح من لا يمتلكون المنابر.

سيبقى غضب اللاجئين الذين ينتظرون يومياً نصف ساعة أمام حواجز مخيّم عين الحلوة، تلك الحواجز التي دخلها هنيّة محمولاً على الاكتاف.

ليس هنيّة القياديّ الفلسطينيّ الأوّل الذي يطبّع العلاقات مع النظام اللبناني. لكنّ اللاجئين ليسوا دمى في هذه اللعبة السياسية. قد ينسى هنية أثناء زيارته مقبرة شهداء صبرا وشاتيلا الأطراف المتشعّبة التي تناوبت على تدمير شاتيلا ونهر البارد واليرموك وجرّدت باقي المخيمات من دورها السياسي الثوري، لكنّنا كلاجئين لن ننسى مَن يقمعنا ويقتلنا ويتراقص على مقابر مجازرنا يومياً.