«الأمن أوّلاً»: طريقنا إلى الاستبداد

رغم الانهيار الاقتصادي، شكّلت الأوضاع الأمنية أولويّة اللقاء الوطني في بعبدا، في تتمّةٍ لأشهر من تكرار السلطة عبارات من نوع «أهمية الحفاظ على الأمن» و«التشدّد في الأمن» و«الإنجازات الأمنية». وقد عبّر الوزير السابق جبران باسيل عن هذا التوجّه في مداخلته التي رأى فيها أنّ «الأمن أوّلاً، والغذاء ثانياً، والمال ثالثاً».

ففي ظلّ الوضع الاقتصادي والثورة في لبنان، يخاف أصحاب المواقع على سلطتهم من تدهور الوضع الأمني. وقد يكون الخوف مبرَّراً كون ما يحدث يدخل ضمن محاولات إعادة كتابة العقد الاجتماعي، ذاك العقد الذي نبرمه جميعاً مع الدولة عبر التخلّي عن القليل من حريّتنا (لا يُفترَض أن نتخلّى عن الكثير) من أجل الحصول على الحماية من الدولة.

تجري حالياً محاولة إعادة كتابة العقد بين الطوائف والأحزاب من جهة (أي ما يسمّونه بالانقلاب على اتفّاق الطائف)، والمواطنين الرافضين لحكم الطوائف وزعماء الحرب من جهة أخرى (من خلال المطالبة بالدولة المدنية).

والحقيقة أنّ التغيير عادةً ما يكون دموياً، ونادراً ما يكون سلمياً.

لكن، إن وافقنا، عل سبيل الافتراض، على وجهة النظر القائلة بضرورة الحفاظ على الأمن، فهل ما تقوم به الدولة كافٍ؟ هل هناك إنجازات أمنية للعهد؟

في نظرة سريعة إلى الإجراءات الأمنية، نرى الكثير من التوقيفات، ومحاكماتٍ عسكرية لا تحفظ حقّ الدفاع، واستعمالاً للعنف بشكل غير متناسب مع حجم الخطر، وتصدّياً لحرّية التعبير. والجامع بين هذه الممارسات البوليسية هو استعمال قانون العقوبات اللبناني، أي القانون الجزائي الأساسي في لبنان.

بالطبع، هناك مخالفة دائمة ووقحة للقانون ولحقوق الإنسان. ولكن لنفترض أنّ الدستور والقوانين اللبنانية لا تمنع التعدّيات الحاصلة (وهي بالطبع تمنع)، ولنفترض أنّ العالم لم يكرّس حقوق الإنسان عام 1948 وغيرها من الحقوق الأساسية المحفوظة في الاتفاقيات والمواثيق الدولية وأنّ لبنان غير ملزم بها (وهو بالطبع ملزم)، فهل ما تقوم به الدولة فعّال للتصدّي للمخاطر الأمنية؟


منذ العام 1764، أي منذ قرون، تكرّست مفاهيم لتأمين الأمن ومحاربة الجريمة في المجتمع. ومن أكثر المعروفين في هذا المجال هو سيزار بكاريا. فمن هو بكاريا هذا؟

سيزار بكاريا هو فيلسوف وسياسي ورجل قانون مهّدتْ كتاباته لإنشاء العدالة الجزائية المعاصرة. يقف عمل هذا الشخص وأفكاره وراء تركيبة قانون العقوبات اللبناني، أي النصّ الذي يُستعمَل حالياً «للحفاظ على الأمن». وهو معروف بأفكاره الرافضة لعقوبة الإعدام وللتعذيب ولتكريسه مبادئ فعالية العقوبة وتناسبيّتها.

كان بكاريا مِن الذين رفضوا العقوبات القاسية والعشوائية التي كانت الدولة تمارسها للتصدّي لثورة الشعب ضد الهيكل الهرمي للمجتمع. وكما في زمنه في إيطاليا، كما في لبنان اليوم، كان القانون يُشرَّع من قِبل نخبة قليلة (في لبنان هم أنفسهم الذين يتلقّون الدعوة للّقاء الوطني في بعبدا، مع التحفّظ على وصفهم بـ«النخبة»).

رأى بكاريا أنّ الجريمة (أي في السياق اللبناني مخالفة القانون الموضوع من قبل «النخبة» الطائفية) ليست ذنباً، بل هي تعدٍّ على العقد الاجتماعي. واعتبر أنّ الهوّة بين الفقراء والأغنياء هي السبب الرئيسي لمخالفة هذا العقد.

وأكّد بكاريا أن القانون الجزائي هدفه حماية الحرّية السياسية. أمّا العقوبة، فيجب أن تكون الملجأ الأخير، وألّا تُستعمَل كسلاح للتحكّم الشامل. فعلى الدولة محاولة منع الجرائم بكلّ الوسائل الأخرى أوّلاً.

بكلامٍ آخر، على الدولة التدخّل ولعب دور في منع التعرّض للعقد الاجتماعي من خلال إعادة توزيع الثروات ومساعدة السكان، وليس من خلال قمعهم جزائياً. فالعقوبة التي لا تنشأ من الضرورة القصوى هي استبداديّة.

فهل ممارسات العهد الأمنية التي يفتخر رئيس الجمهورية بها هي إنجازات كما يدّعي؟ هل نجح الرئيس في الحفاظ على الأمن؟
تبدو المعالجة الأمنية للملفّات واستعمال القانون الجزائي بالشكل الحالي عبر توقيف المتظاهرين والناشطين واستعمال العنف المفرط ليست فقط خاطئة وغير فعّالة، بل هي- بحسب أبي القانون الجزائي المعاصر والعدالة الجزائية- من الممارسات التي سوف تزيد من الجرائم وبالتالي من اختلال الأمن.

وما حماية الجدران والممتلكات من خلال الأسلاك الشائكة والجدران الإسمنتية إلا أفضل دليل على ضعف الدولة الأمني وانزلاقها عمدًا أو عن غير عمد في فخّ الاستبداد.

بؤسُ ما بعد التحرير

ليس حزب الله أوّل قوّة تجمع ما بين التحرير والقمع في الداخل الثمن الذي يترتّب على تشييد مجتمع التعبئة العسكريّة الدائمة باهظ يحوّل أساسيّات الحياة الكريمة وكلّ عنوان آخر إلى مطلب ثانويّ، تافه أو مشبوه يُفقِر المخيّلة السياسيّة ويشكّل ذلك ارتكاساً سياسيًّا وأخلاقيًّا لبعض أدبيّات المقاومة الفلسطينيّة

واجهات المصارف وواجهات النظام

شاهدنا المواجهة من داخل الحجر. هناك مَن تضامن مع الشهيد فوّاز والثوّار. وهناك من تعاطف مع الجيش تطوّرت عندنا النوستالجيا إلى وهم يشبه وهم العجوز هافيشام فضّلنا أن يكون سبب الكارثة أخطاء قام بها رياض سلامة طالما بقيت هذه المؤسسات بيد هذه السلطة، ستبقى واجهاتٍ لدكاكين الفساد والقتل