الأوادم ليسوا الحلّ

اعتدنا سماع الانتقادات الموجّهة إلى المتظاهرين بعد تشكيل أوّل حكومةٍ بعد الثورة، الحكومة التي روّجت لنفسها بأنّها مشكّلة من تكنوقراط وخبراء وأخصائيّين (منهم أخصائيّون بالقمع والمراقبة المخابراتية). يتساءل المنتقِدون: أصبح لدينا حكومة مكوّنة من تكنوقراط وأوادِم، يترأسها بروفيسور جامعي، فلماذا يستمرّ الناس بالنزول إلى الشوارع؟ لماذا لا نعطي فرصةً لهؤلاء الأوادِم لإخراج لبنان من المأزق والخراب؟

يشكّل هذا التقديس للتكنوقراط والشخص الآدمي (أي الشخص الذي/التي لم تتلوّث يديه/ا بالفساد والصفقات الغامضة) أحد أساليب الثورة المضادة. ذلك أنّ وجود عدد قليل من الخبراء/ التكنوقراط والأوادِم في مناصب رفيعة المستوى في الحكومة لن يُخرجنا من المصائب التي نعيشها. فمنذ اتفاق الطائف، لم تخلُ البرلمانات والحكومات من بعض التكنوقراط والأوادِم، وتولّى بعضهم حقائب وزارية مهمّة. لكن، رغم كل جهودهم، رأينا انحداراً على كلّ الأصعدة (انحدار اجتماعي، سياسي، اقتصادي، بيئي، إلخ…).


لنعطِ بعض الأمثلة:

حول اقتصاد لبنان وأوضاعه الماليّة
شغل البروفيسور سمير مقدسي منصب وزير الاقتصاد والتجارة في حكومة رشيد الصلح الثانية (من أيار إلى تشرين الأول 1992)، وشغل البروفيسور جورج قرم منصب وزير المالية في آخر حكومات سليم الحصّ (كانون الأول 1998 – تشرين الأول 2000). كتب الرجلان الكثير من الكتب والمقالات العلمية والدراسات حول العديد من الشؤون المتعلّقة بتاريخ لبنان واقتصاده، ولا أحد يمكنه أن ينكر خبرتهما.

حول الحوكمة والإدارة
تمّ استحداث مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية (OMSAR) عام 1994، وترأس هذا المكتب عدّة وزراء معروفين بنزاهتهم. منذ التسعينات، عمل موظّفو OMSAR على إعداد عدة استراتيجيات دقيقة حول الإصلاح الإداري في لبنان ورقْمَنَة القطاع، و قاموا بعدّة مشاريع لحَوْسَبة الإدارات العامة وتدريب موظّفي الدولة على استخدام أجهزة الكمبيوتر.

حول حقوق العمّال
شغل شربل نحاس منصب وزير العمل في حكومة ميقاتي الثانية (2011-2014) حيث أصدرت إدارته مثلاً دليلًا مفيدًا لعاملات المنازل المهاجرات للتعرّف إلى حقوقهم.

حول التشريعات
خدم المحامي غسان مخيبر كنائب في البرلمان من عام 2002 إلى عام 2018، حيث عمل عن كثب مع عدّة منظمات غير حكومية حول العديد من القوانين، أهمّها قانون الحق في الوصول إلى المعلومات الذي صدر أخيرًا في شباط 2017.


بالرغم من أفضل جهود ونيّات هؤلاء الأوادِم، ما زال لبنان يواجه أزمةً اقتصاديّةً كارثيّة، وتمّ نبذ خطّة جورج قرم المالية الخمسيّة إثر خروج الحصّ من البرلمان عام 2000، وما زالت الإدارات اللبنانية تتجاهل خطط ومشاريع OMSAR وتعمل عبر منهجيات عتيقة، وما زال نظام الكفالة (أي نظام العبودية) موجودًا (قدّم نحّاس استقالته بعد أقلّ من عام على تولّيه منصب وزير العمل بسبب عدم اكتراث الطبقة الحاكمة بحماية العمّال وحقوقهم)، ولا يتم تطبيق قانون الحق في الوصول إلى المعلومات بشكل جدّي في الإدارات والهيئات العامّة.

فلماذا لا يزال البعض يعتقد أن التكنوقراط والأوادِم في هذا النظام سيتمكّنون من العمل الفعّال، وسيحلّون الأزمات العديدة التي نواجه؟ لماذا تمدح مراسلةتلفزيون الثورة وزيرة الطاقة السابقة (التي تُعتَبَر وزيرة تكنوقراط) وتصفها بأنها «من الأنجح والأشطر»، رغم أننا ما زلنا نعاني من انقطاع كهربائي بشكل يومي ولم نرَ أي جهود للانتقال إلى الطاقة المتجدّدة؟

ما تكشفه هذه النظرة السريعة على بعض جهود التكنوقراط والأوادِم في حقبة ما بعد الطائف هي أن المشكلة لا تكمن حول من هو/هي المسؤول/ة. تكمن المشكلة في بنية النظام الطائفي الزبائني التي يهيمن عليها أمراء الحرب وحلفاؤهم في القطاع المصرفي والشركات الكبرى. من الممكن أن يكون أداء وزير البيئة الحالي (الذي يجلس على مجلس ادارة بنك) أفضل من أداء الوزير الذي لا يريدنا أن نسمعهُ صوتنا، لكنّ حكومة البروفيسور المكوّنة شكليّا من التكنوقراط والأوادِم، لن تخرجنا من الخراب والإذلال الذي نعيشه بشكل يومي. وحده تغيير النظام السياسي والاقتصادي ورموزه سوف يخرجنا من هذا المأزق. وهذا النوع من التغيير لا يحصل إلا في الشارع.