الإغلاق الكامل بمنظارٍ جندريّ

فيما تستمر السلطات بتمديد الإغلاق التام دون دعم السكّان، ودون البحث بتبِعاته، ولا حتّى وضعها على طاولة النقاش، تتفاقم «جائحات ظل» في المجتمع، قد تكون أخطر من الكورونا أحياناً، منها: العنف الأسري، وتحديداً ذلك العنف الموجّه ضد المرأة.

لنعرض الأرقام بدايةً.

في ظل غياب إحصاءات رسمية توثّق العنف الأسريّ في لبنان، ترصد مؤسّسات عدّة تزايداً في الاتّصالات المتعلّقة بالإبلاغ عن العنف المنزلي. إذ كشفت أرقام قوى الأمن الداخلي أن عدد شكاوى العنف الأسري الواردة على الخط الساخن بلغت 1276 حالة خلال العام 2020. كما تفيد منظمة «كفى» أنّ عدد مكالمات الخط الساخن الخاص بالمنظمة بلغ 938 مكالمة، خلال شهر أيار 2020 فقط، وهو رقم يوازي 4 أضعاف العدد المسجل في آذار 2020، أي عند دخولنا التعبئة العامة لأوّل مرّة. كما سجّلت منظمة «أبعاد» تلقّي 1198 مكالمة بين كانون الثاني وأيار 2020، بينما تلقت العدد نفسه (1193) خلال العام 2019 بأكمله.

جردة الأرقام هذه كافية لندرك خطورة الوضع ومنحاه التصاعدي. يا محاسن الصدف، وكأن لكل هذه القضايا «المنحى التصاعدي» نفسه، من التحرّش إلى العنف المنزلي.

إذاً، مع تزايد وتيرة التعنيف في المنازل، تحوّلت هذه المنازل نفسها- المُفترض بها أن تكون مساحات آمنة- إلى كابوسٍ يحاصر النساء والفتيات اللواتي يمكثنَ مع معنّفين. وعلى الضدّ ممّا تروّج له السلطة، ليس هذا العنف «حادثاً»، ولا هو «قضايا عائلية»، بل هو ظاهرة جماعية ومجتمعية، متجذّرة في بنية المجتمع نفسه.

هكذا كان الحال دوماً، منذ ما قبل الحجر. إنّما ساهم هذا العامل في الكشف عن أوجه القصور الهَيكلي القائم في التصدّي للعنف المسلّط على النساء، بل حتى تجاهل هذه المسائل.

من هنا، تكمن أهميّة تناول موضوع الحجر من منظارٍ جندري، لِكَون السلطة قد ترفّعت عن ذلك. السوابق تشهد: مسألة دعم شفرات الحلاقة وغض النظر عن الفوط الصحية. الأمر الذي دفع منظمات عديدة إلى ترتيب حملات تواجه فقر الدورة الشهريّة عبر توزيع الفوط الصحيّة لمن لا تتمكّن من شرائها.

للأمانة، خصّص الأمن الداخلي خطّاً ساخناً للعنف الأسري (1745). لكن «طبعاً مش مجّاني»، كما أجاب عامل الهاتف عند الاتّصال بالرقم. للأمانة أيضاً، حُدّثَ بريد إلكتروني مخصَّص لكل محكمة وذلك لتسهيل تقديم طلبات الحماية أمام قضاة الأمور المُستعجلة بحيث تُفتح محاضر فورية في جميع قضايا العنف الأسري حتى في حالات الجرائم غير المشهودة ويُسمح للناجية بتقديم شهادتها عبر تقنية الفيديو كول. واكبت الدولة هنا المعايير التي اعتُمِدت عالمياً خلال فترات الحجر. لكن يبقى لنا أن نسأل:

  • هل يُعَدّ اللجوء إلى هذه الوسائل آمناً في لبنان؟ لا سيّما في ما يتعلّق بمسألة الخصوصية وتسريب المعلومات لاحقاً، عدا عن إشكالية تواجد المرأة مع المعنّف في نفس المكان.
  • هل لجميع النساء إمكانية الوصول الى هذه الوسائل؟ الواقع الطبقي يحول دون تملّك وسائل اتصال للجوء لمنصّات كهذه، إضافةً إلى طبيعة البنية التحتية المهترئة لبلادنا بحيث لا كهرباء ولا شبكات انترنت، ممّا يعيق وصول النساء لهذه الخدمات.

بإشارةٍ للمنحى القانوني، أقّر مجلس النوّاب بتاريخ 21/12/2020 تعديلاً لقانون حماية النساء وأفراد الأسرة من العنف الأسري. خطوة جديدة أُريدَ لها أن تكون تقدّمية، لكنّها أتت ملأى بالشوائب. أوّلها تعريف العنف الأسري، إذ حُصِرَ بالروابط الزوجية، التابعة للمحاكم الشرعية، تلك التي تعمل وفق هرمية ذكورية تتجاهل كل أشكال العنف الممارس على النساء. وبينما رفض مجلس النواب إخضاع مرتكب العنف لدورات تأهيل، شَدَّد العقوبات على عاملات الجنس.

وفي تشريحٍ إضافي لجندريّة الحجر، لم ترتفع قضايا العنف الأسري تجاه النساء فحسب، بل تضاعفت كذلك مسؤوليّاتهنّ في الأعمال المنزلية والأدوار الرعائية، لِكون هذه الشؤون «شغلة نسوان» بحسب التركيبة الذكورية لمجتمعنا. والأسوأ، أن الحجر يترافق مع أزمةٍ مالية حمّلَت النساء عواقب إضافية، إذ قُلّصَت موارد الرعاية الصحية والصحة الإنجابية، لكونها لم تكن على سلّم أولويّات الحكومة.

كل ما ذُكِر كفيل للدلالة على ضرورة مقاربة قضايانا من زاويةٍ جندرية، كما هو كفيل للكشف عن عجز الدولة، أو حتى رفضها القيام بمقاربات كهذه. قضايانا هذه أولوية، ومقاربتنا تقاطعيّة بجوهرها وكفاحنا من أجل عدالة إجتماعية وإقتصادية مستمرّ.