الارتكابات الكبرى في سجلّ سلامة

انشغل الإعلام اللبناني طوال الأيّام الماضية بالسجال الدائر على خلفيّة نشر تقرير يتحدّث عن تحويل مليارَيْ دولار إلى الخارج، من قبل حاكم المصرف المركزي وشقيقه ومعاونته ماريان الحويّك المعيّنة حديثاً كمستشارة له في حاكميّة مصرف لبنان. نفى سلامة المعلومات بشكل حاسم، وتطوّعت بعض المواقع الإلكترونيّة للقيام بهجوم مضادّ ركيك على الإعلاميّة ديما صادق وموقع «درج» الذي نشر التقرير، فيما انفردت الأم. تي. في. بعرض مرافعة تستعرض وتسوّق «شفافيّة» سلامة في إعلانه عن مصادر ثروته ومصيرها اليوم.

رغم أهميّة تتبُّع خيوط ادّعاءات التقرير الفرنسي، هناك حقائق أخرى باتت مثبتة حول الأدوار الخطيرة التي لعبها سلامة خلال السنوات الماضية. فقد تسرّبت مؤخّراً مسوّدة تقرير خطّة الإصلاح الحكومي الذي أعدّته شركة «لازارد» لصالح الدولة اللبنانيّة، مع كلّ ما تتضمّنه من توصيف لطبيعة الانهيار الذي ضرب القطاع المالي، ولدور قرارات رياض سلامة تحديداً في الوصول إلى هذا الانهيار.

لم تنلْ ارتكابات سلامة في مسوّدة الخطّة الحكومية الاهتمام المطلوب، لأنّ ردود الفعل على الوثيقة ككلّ اتّسمت بالرفض من جميع الأطراف.

فالمصارف لم تُعجبها الصراحة في تحديد حجم الفجوة الموجودة في ميزانيّات القطاع المالي، وضرورة تحجيم القطاع وتحميله جزءًا أساسيًّا من الخسارة. والمتحسّسون من رائحة صندوق النقد الدولي، بمن فيهم كاتب هذه السطور، أثارهم أن تُحصَر خطّة الإنقاذ بالتوصيات التي يبحث الصندوق عنها عادةً لتستعيد الدولة ملاءتها الائتمانيّة، حتّى بدا وكأنّ الخطّة بأسرها مجرّد دراسة جدوى للاقتراض مجدّداً من الصندوق.

لكن رغم كلّ هذه التحفّظات،
تمثّل خطّة الحكومة المستند الرسمي الأوّل الذي يكشف مجموعةً من الممارسات حصلت في البنك المركزي خلال الأعوام العشرين الماضية، وتصل في بشاعتها إلى حدود الارتكاب الصريح.

فعلى مدى فترة تتراوح بين 15 و20 سنة، تكشف الوثيقة أنّ المصرف المركزي كان يراكم خسائر في ميزانيّاته وصلت إلى حدود 42.8 مليار دولار في بداية السنة الحاليّة، وهي قيمة توازي بحجمها حجم الناتج المحلّي للبنان بأسره! وخلال هذه الفترة نفسها، كان يتمّ إخفاء هذه الخسائر المتراكمة في الميزانيّات بدل التصريح عنها، ضمن بند في الموجودات باسم «موجودات أخرى». بمعنى آخر، ثمّة «موجودات أخرى» في ميزانيّة مصرف لبنان ليست بموجودات فعليّة قائمة، بل خسائر مخفيّة.

وقد أدّت هذه الممارسات المحاسبيّة غير الطبيعيّة إلى وجود الفجوة في الميزانيات التي كان يُشار إليها دوماً، على شكل فارق كبير بين موجودات المصرف المركزي والتزاماته بالعملات الأجنبيّة. وما خسائر المودعين في القطاع المصرفي، بجزءٍ كبير منها، إلا هذه «الموجودات الأخرى» بالذات، التي تخفيها ميزانيّات المصرف المركزي.

يظهر في الخطّة أيضاً رسمٌ بيانيٌّ بالغ الأهميّة، يعكس تطوّر حجم هذه الخسائر. واللافت في هذا الرسم هو تسارع زيادة هذه الخسائر منذ سنة 2016، تاريخ إطلاق سلامة لعمليّات الهندسة الماليّة المكلفة، والتي نقلتْ قدراً كبيراً من السيولة إلى ميزانيّات المصارف الخاصّة على شكل أرباح فوريّة. وهنا بالذات، يشير التقرير صراحةً إلى دور هذه الهندسات في تسارع نموّ هذه الخسائر.

بالإضافة إلى هذه النقاط، تضمّن التقرير حقائق كثيرة أخرى مثل أثر السياسات النقديّة على تنافسيّة الإنتاج المحلّي ووضع القطاعات المنتجة، والخسائر الضخمة التي ستترتّب على القطاع المالي (83.2 مليار دولار) بعد إعادة هيكلة الدين العام بفعل طبيعة موجودات ميزانيّات مصرف لبنان والمصارف الخاصّة. وهذه المسائل كلّها كانت خاضعة إمّا لقرارات مصرف لبنان وحاكمه أو رقابته.

بالتأكيد، كان يُشار لبعض هذه المسائل المذكورة في تقارير اقتصاديّة سابقة. لكنّ مسوّدة الخطّة التي تسرّبت اليوم تمثّل الوثيقة الرسميّة الأولى التي تشير بهذه الصراحة والدقّة إلى نوعيّة الألاعيب المحاسبيّة التي كان يتمّ اللجوء إليها في المصرف المركزي، والتي حاول سلامة تبريرها دون جدوى.

هذه الممارسات هي الارتكابات الكبرى في سجلّ سلامة… وبمعزل عن صحّة أو عدم صحّة التقرير الفرنسي، نملك ما يكفي من حقائق اليوم للسؤال عن سرّ بقاء سلامة في مركزه بعد انكشاف كلّ هذه الممارسات.

تكنوقراط الصندوق في ضيافة تكنوقراطنا

عملياً، تعني هذه «الاستشارة» التقنية أمراً واحداً: مصيرنا لن يتقرّر في 9 آذار سيعطي الصندوق جوابه المعهود: إذا تخلّف لبنان عن الدفع، فهذه ورطة من الصعب الخروج منها الثابت في هذه المعادلة هو التسوّل

تفكيك حزّورة رياض سلامة

لم يحدّد التعميم كيفيّة احتساب سعر السوق هذا، أو آليّات العرض والطلب التي ستتحكّم به ستبيع الدولار المحلّي، أو الدولار اللبناني، وليس الدولار النقدي الفعلي ليس تشكيل هذا السوق الرديف سوى المقدّمة الطبيعيّة لتحرير سعر الصرف