الثورة السوريّة التي عرّفتني إلى سوريا ولبنان

عشت، كما كثر غيري في لبنان، بدايات الثورة السورية بدهشة متجددة كانت تزداد يوماً عن يوم، مبهورين بشجاعة لا مثيل لها لأشخاص يعرفون وهم يخرجون للتظاهر بأن مشاركتهم هذه ممكن أن تكلّفهم حياتهم. مبهورين أيضاً بخفّة الظلّ وروح النكتة والسخرية والعُمق والجمال الطالع من اللافتات والهتافات والأغاني والفنون والعراضات.

كانت قلوبنا تتابع الشعارات والتظاهرات وتصاعدها واتّساع رقعتها، وردّ النظام السوري عليها بـ«زخّ رصاص على الناس العزّل» وقتلهم من أول تظاهرة خرجوا فيها.

اختبرنا في لبنان إجرام هذا النظام خلال احتلاله المباشر لبلدنا، وغير المباشر له بعد انسحاب جيشه منه، وكنّا نتوقّع بأنه من الصعب جداً أن يقبل بأي تنازل أو أن يُجري أي «إصلاح» ولو شكلي. لكنّ وحشيته وفظاعة ارتكاباته والتواطؤ العالمي معه وغضّ النظر عن مجازره المتنقلة من مدينة سورية ثائرة الى أخرى تخطّت كل التوقعات.

لكنّ ما كنّا نجهله هو الشعب السوري الذي أخفاه النظام عن الوجود، الى أن خرج من تحت الأرض وقام لاعناً روح أصل الشرّ والبلاء على أنغام «القلب يعشق كل جميل»، صانعاً سيمفونيته التي أسعدت أوقاتنا وأطربت أيامنا لسنوات عديدة.


بدأْتُ العمل في الصحافة لأول مرّة بعد أشهر على قيام الثورة السورية، وكانت التحقيقات الصحفية وسيلتي لأتواصل مع سوريين من مناطق وفئات واختصاصات متنوّعة ومتعدّدة، وأتعرّف إليهم وإلى معاناتهم وإلى سوريا من خلالهم.

بدأًتْ تتكوّن في تلك الفترة أيضاً صداقات عميقة وجميلة مع سوريات وسوريين سكنوا في بيروت لسنوات عديدة. كان هناك شعور متبادل بأننا من خلال علاقاتنا هذه نعوّض ما فاتنا ونرمّم ما ارتكبه النظامان السوري واللبناني بحق هذه العلاقة على مدار العقود السابقة.

من خلال العمل والصداقات، وجدتني أتعرّف ليس فقط إلى سوريا وإلى أناسها، بل أيضاً إلى لبنان من خلالهم، إلى مناطقه الحدودية المُهملة والمنسيّة، الـ«متزوّقة وحزينة»، على عرسال خصوصاً وناسها وحجرها الشهير التي حُفرت عليه أسماء درعا وحمص ومناطق ثائرة أخرى، عرسال هذه البلدة الصغيرة الجميلة المظلومة التي حملت همّ لبنان وسوريا معًا.

ومن خلال هذه الصداقات، ومعها، عدنا الى تاريخ البلد، الى ما ارتكبه النظام السوري والطبقة اللبنانية الحاكمة، الى مرحلة إعادة الإعمار وحكاية العامل السوري الذي سمّاه صديقنا «ديك بيروت». صرنا نرى المدينة وعماراتها التي بنتها سواعد السوريين بعيون مشتركة، وأصبح لها طعم، «طعم الإسمنت».


في الوقت ذاته، تعرّفت من خلالهم إلى ما تبقّى من بيروت «القديمة»، إلى أحياء لم تجْتَحْها الجبّالات وورش العمار، وحافظت على حميميتها. إذ أن من سكن من الأصدقاء السوريين في الأشرفية، اختار أحياءها القديمة التي تُشبه الحارات، كالجعيتاوي وفسّوح والرميل. لم أكن أعرف من قبل أدراج هذه الحارات وبيوتها القديمة والدجاجات التي تعيش خارجها.

كنّا عندما نذهب لزيارة أحد الأصحاب، تستقبلنا رائحة المشاوي ونحن على مدخل الحيّ، ثم نجد أنفسنا وكأننا في الضيعة، نُلقي التحية على بعض المسنّين الجالسين بصمت على حافّة بيوتهم الصغيرة وعلى قطط الحارة الكثر الممدّدة تحت الشمس بسعادة واستجمام.

كل يللي بتشوفيهن تحت الـ 60 بالحارة، هني سوريين، قالت لي صديقة سكنت هناك سنوات عديدة قبل أن تغادر لبنان، مثلها مثل كثر آخرين، الى بلاد أوروبية فتحت أبوابها للسوريين.

قبل الأشرفية وحاراتها، كانت الثورة السورية قد أعادت الى شارع الحمرا بعضاً من ألوانه عقب المرحلة القاتمة التي مرّ بها بعد أحداث 7 أيار 2008 وبعد فتح مقرّ سفارة النظام السوري في شارع المقدسي أواخر العام ذاته، مع ما خلّفه ذلك من مظاهر عسكرة وتهويل لمعارضي النظام السوري.

تنظيم الاعتصامات في الحمرا وفي الجامعة الأميركية في بيروت تضامناً مع الشعب السوري بالرغم من التخوين والترهيب والقمع التي ووجهت بها، وجرأة المعارضين السوريين واللبنانيين وقتها وإصرارهم على النزول الى الحمرا بالرغم من التهويل، كلّها كسرت حاجز الخوف الذي سعى الحزب القومي الى بنائه.

كما أن الحملات الإعلامية التي كانت تشنّ بعد كل عملية خطف وعنف تُمارس ضد الناشطين السوريين في الحمرا وضغط المجموعات الحقوقية، فرضت معادلة جديدة وقتها.

أصبحت في تلك المرحلة أغلب مقاهي الحمرا ملتقى للسينمائيين السوريين والفنانين والناشطين، حتى أنه أُطلق على البعض منها أسماء مناطق سورية. أتذكّر الآن مقهى «دير الزور» مثلاً الذي كان أغلب موظّفيه من الدير، واستقبل لفترة طويلة جلسات سمر ونقاش بين سوريين ولبنانيين.

وأصبح «مترو المدينة» الذي هو في قلب الحمرا، مساحة لعرض أفلام سورية ولتنظيم حفلات موسيقية مشتركة لبنانية سورية، تعرّفنا من خلالها إلى فنّانين سوريين وإلى أعمالهم وموسيقاهم.


مع مرور الوقت، صار صعباً على الأصدقاء وعلى السوريين عمومًا البقاء في لبنان. حاصرتهم السلطات الأمنية والسياسية اللبنانية، ومنعتهم من العمل ومن الحصول على إقامات وأشعرتهم بالتهديد بغية تهشيلهم.

كما تفعل اليوم مع اللبنانيين. فهي تحاصرنا وتقمعنا وتذلّنا وتتصيّد عيوننا وتسرق تعبنا ومالنا وتفجّرنا بالنيترات ذاته الذي استخدمه النظام السوري ضدّ شعبه و«يللي مش عاجبو يفلّ».

صرنا في تلك المرحلة نودّع أصدقاءنا السوريين واحداً تلو الآخر، ومع كل واحد تنطفئ زاوية من المدينة، كما يحدث اليوم أيضاً مع اللبنانيين المغادرين الذين يودّعون بعضهم وفي القلب حسرة.

قلائل من الأصدقاء لا يزالون في لبنان.

من بقي بشكل أساسي من السوريين هم الفئات الأكثر فقراً والذين تسجنهم السلطة اللبنانية في المخيمات بعدما هجّرهم النظام السوري وحزب الله من بيتوهم وقراهم، وتشحد مساعدات دولية على ظهرهم لتسرقها عندما تأتي. وهي فرحة بهذا الوضع، إذ أنه يتطابق مع سياستها لتحويلهم إلى كبش فداء مسؤول عن خراب البلد.

أتت ثورة 17 تشرين الأول اللبنانية، ومعها حضرت روح الثورة السورية من جديد، وتجلّت في طرابلس، المحفورة فيها جرائم النظام السوري، وفي بيروت وحاراتها:

جنّوا جنّوا العونية
يلّا إنزل عالشارع
يلا إرحل ميشال عون

في الذكرى العاشرة للثورة السورية، لثورتنا السورية، لا يزال بشار الأسد، ولا يزال ميشال عون، ولا يزال حسن نصرالله، وإن كانوا زائلين. لكنّ صورهم وتماثيلهم وهالتهم والخوف الذي جهدوا لزرعه في الناس وما اعتبروه أبدياً، سقط. الأبد الباقي هو أن حرّيتنا واحدة وقضيتنا واحدة والظلم واحد.

بين برميل وصندوقة

برميل متفجّر وصندوق انتخابي مجزرة واحدة مستمرة نال الأسد حوالي 95.1 % الربيع العربي عمومًا، والثورة السورية على وجه الخصوص معركة شعبية واحدة العلاقة التكاملية الاقتصادية والسياسية مع الشعب السوري

قصّة الصياد الفقير

كان يأتيني في الحلم جوكر من ورق اللعب له ضحكة رهيبة، معلقاً في فراغ أسود فوق رأسي. وكان هذا الجوكر يقوم باختطاف مجموع كلماتي. كنت أخسر الكلمات في كل مرة أغمض عيني، حتى رمشة سريعة كانت تكلِّفني بضع كلمات