الثورة السوريّة، ثورتي من طرابلس

مع بداية الثورة السورية، تحوّلت طرابلس إلى المرآة الحاضنة لفرح السوريين الثائرين ومأساتهم. فكان لا بد للمدينة التي لطالما شهدت على فقر أبنائها ومعاناتهم أن تشعر بثورة سوريا، وهي التي تبنّت على مدار العقود قضايا المظلومين.

لكنّ طرابلس أيضاً مدينة الخفايا والمفاجآت. فهي التي دعت للانفتاح لترفضه بعد حين، وهي التي فوّضت حكّامها لتعود وتطيح بهم. توهمنا طرابلس الثائرة دوماً بأننا قد فهمناها والتقطناها، قبل أن تعود وتخلق نفسها من جديد.


منذ عشر سنوات، أعلنت المدينة تضامنها مع الثورة باستقبالها للنازحين، وعرضت أدبيّات الثورة في أسواقها الشعبية القديمة. أذكر أوّل علم للثورة اشتريته وحملته إلى بيروت لأقول لأصدقائي إنّ الثورة السورية هنا، على بعد كيلومترات فقط. الثورة السورية حيث تعلو أناشيدها وهتافاتها على بسطات الشوارع، وحيث أُعلنت أسماء ووجوه الشهداء كأبطالٍ على جدران المدينة.

لكن مع كل زيارة لطرابلس، بدأت تُستبدل تلك البارافيرناليا البصريّة والمرئيّة تدريجيّاً بأعلامٍ تركية وصورٍ لأردوغان، تماشيًا مع انتشار البضائع التركية في أسواق المدينة. فمع تحوّلات الثورة السورية، تغيّرت طرابلس أيضاً، معيدةً ابتكار بعضٍ من مكوّنات الايدولوجيا السنية التي وجدت مؤيدين لها في المدينة.


بالرغم من الحماس الظاهر تجاه الثورة السورية، نما أيضاً بعضٌ من الحذر حيال تداعياتها، حين بدأ النزاع الأهلي يحلّ محلّ الثورة، وإبان تشكّل حركات إسلامية، شارك شبان ورجال طرابلسيون فيها لنصرة «أهلهم» من السنّة ضد نظام الأسد المجرم. بدأ يتزايد في أحيائها الفقيرة ظهور النساء بعباءات الشادور الأسود والرجال باللحى الطويلة، ما أيقظ الخوف المدفون حيال الموجات الإسلامية المتطرفة، كتلك التي نشأت في مطلع الثمانينات.

فقد أحدثت حركة التوحيد الإسلامي رضّاتٍ عميقة عند الطرابلسيين. في تلك الحقبة من تاريخ المدينة الحديث، أُعلنت طرابلس إمارة إسلامية ورفضت التعددية والإنفتاح الديني وقدّمت وجهاً لا يُشبه ما طمحت إليه سابقاً. ما زلت أذكر الذعر الذي بُثّ في المدينة، كما في قلوبنا الصغيرة، ليحوّل حياتنا في خارج بيوتنا كما في داخلها، عندما كان شبان التوحيد يقتحمونها. حقبة لم يُحكَ عنها الكثير لكنها تركت أثراً كبيراً يُستحضر مع تقلّبات الثورة في سوريا.

ترافق الخوف من ان تؤخذ المدينة بموجة إسلامية جديدة مع استذكار أيام ذاك النظام وحروبه في طرابلس. كانت قد شهدت المدينة التي لطالما تقاطع تاريخها مع تاريخ سوريا، قتال النظام السوري وحركة التوحيد، وقبله الحرب على «أبو عمّار» والفصائل الفلسطينية. النظام الذي ارتكب مجازر كمجزرة باب التبانة عام 1986 ونفّذ اغتيالات وبثّ الخوف في مجتمعها، حكم لاحقاً بقبضة من حديد ليبقى أثره حتى بعد الخروج السوري من لبنان. فما زالت حتى اليوم تتراءى لي أصوات التعذيب التي كانت تعلو من المباني التي حوّلها نظام الاسد إلى مقرّات لمخابراته، كذاك الذي عاناه شارع مار مارون. كان هذا الواقع التاريخي دافعاً أساسيّاً لانخراط بعض الشبان الطرابلسيين في الثورة السورية، كما لو كانوا ينتقمون لمهانةٍ وألم. امّا البعض الآخر، فذهب للبحث عن هوية سنّية في ظلّ استمرار دعم حزب الله للنظام السوري والفراغ المحلّي السياسي وازدهار التطرف السني.

هكذا بقي النظام السوري محرّكاً سياسيّاً أساسياً في طرابلس أكثر من أي مكانٍ آخر في لبنان. وهكذا لعب دوراً وجد تتويجه في معارك الـ2011 بين جبل محسن العلويّ وباب التبانة السنّية.


يُستكمل التقاطع السياسي في الماضي والحاضر بين طرابلس وسوريا بتشابك نسيجيهما الاجتماعيين بفعل القرب الجغرافي والعائلي بينهما. فإن لم يكن للعائلة الطرابلسية أقارب سوريون يدعونهم لزيارتهم في حمص أو طرطوس، كانت لهم رحلات للعمل او للتسوّق في حماة او اللاذقية. امّا الرحلات المدرسية الى مدن سورية، فقد رسخت في ذاكرة من ترعرع مثلي في طرابلس مثلما رسخت صورة حافظ الأسد شابكاً يديه، والتي كانت تظهر يومياً على الشاشة الصغيرة قبل مسلسلات الرسوم المتحركة المدبلجة إلى العربية. ففي الثمانينات، كان بث المحطة السورية هو الأقل تشويشاً في المدينة، وكان نشيد حزب البعث الطالع منها الأكثر طنيناً في بيوت أهلها.


هذا التلاصق الثقافي والاجتماعي الذي يظهر أيضاً في تقارب اللهجتين الطرابلسية والسورية والكثير من العادات والتقاليد لعب دوراً أساسيّاً في تكوين اللاوعي السياسي لجيلي.

فهو جيلٌ طرابلسيّ خاطبته الثورة في سوريا، ربما أكثر مما خاطبته الثورة الفلسطينية. فالأخيرةُ كانت، في مخيّلتي السياسية ومخيّلة الكثيرين من جيلي، قد اصبحت من الماضي. امّا الجنوب، فبات بعيداً وكذلك قضاياه.

لم أفهم ذلك إلا مع بدء الثورة السورية.

فحماسي لها فتح لي أفقاً يتجاوز فهمي لجيلي ليقودني الى معرفةٍ أكبر بطرابلس وأوجهها العديدة. فكأنها، المدينة التي ترعرعت فيها، طرابلس ما بعد فلسطين، والمدينة التي تجهّز نفسها لاحتضان الثورة السورية. طرابلس التي بتّ أفهمها أكثر، غدت عروس ثورتنا في لبنان التي استمدّت من أختها السوريّة شجاعة أطلقتها في وجه طغاتها.

طلاب من أجل سوريا حرّة

وخلال مشاركتنا باعتصام مندّد بعدوان الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزّة عام 2012، رفعت لافتة تعبّر عن تضامننا مع فلسطينيّي سوريا الذين كانوا يُقتلون في مخيّم اليرموك وسط صمت قوى الممانعة. فمُزّقت اللافتة واعتدي على الطالب الذي حملها

قصّة الصياد الفقير

كان يأتيني في الحلم جوكر من ورق اللعب له ضحكة رهيبة، معلقاً في فراغ أسود فوق رأسي. وكان هذا الجوكر يقوم باختطاف مجموع كلماتي. كنت أخسر الكلمات في كل مرة أغمض عيني، حتى رمشة سريعة كانت تكلِّفني بضع كلمات