الجامعات الخاصّة تحاربكم، حاربوها


عن وهم المؤسّسة التي لا تبغى الربح

عزيزي القارئ، إن كنت تقرأ هذا المقال يوم الجمعة 18 كانون الأوّل، فاعلم أنّ غداً السبت 19، في تمام الساعة الرابعة، ينفّذ الطلّاب أولى حركاتهم التصعيدية ضد قرارات الجامعات الخاصّة، الساعة الرابعة عصراً، من شارع الحمرا مروراً على الجامعات المجاوِرة. وأنتَ، بطبيعة الحال، مدعوّ للانضمام، وشكراً.


لا داعي للتقديم، سأختصر المسألة:

إدارات الجامعات الخاصّة قرّرت التمادي بعدوانها الدائم، سواء ضدّ الموظّفين أم الأساتذة أم الطلّاب، وهذه المرة، كانت الفئة الأخيرة في مرمى النار، مع قرار دَولَرة الأقساط.

صلب المسألة سياسيّ، ولو اتّخذ مظهراً اقتصادياً. معنى القرار واضح: غربلة الطلّاب طبقيّاً واحتكار التعليم. أمّا الشكل، فهو ما تجاهد إدارات الجامعة، من خلاله، لتمويه البُعد الطبقي، وتسعى لتظهير إجراء الدَولرة على أنّه خطوة ضروريّة لسدّ عجزٍ ما ولدفع كامل المستحقّات، لا سيّما مع الظروف المادّية الصعبة.

  • هل هذا صحيح؟
  • كلا. الجامعة تكذب.

تبدأ ألاعيب الجامعات الخاصة في إصرارها على إشهار التوصيف القائل: «مؤسّسة لا تبغى الربح»، فيسهل عليها بذلك أن تأخذ دور الضحية وتتبنّى خطاب المظلومية. تقنيّاً، هذا صحيح. فالجامعة لا «ربح» لديها. ليست مؤسّسة بالمعنى الرأسمالي البسيط للكلمة، أي، لا ربّ عمل في أعلى الهرم يستحوذ على كتلةٍ نقديّة ينفقها على نفسه.

  • تمام؟
  • تمام.

لكن فعلياً، هذا خطأ، وعلى مستوَيَين.

1. لا ربح، فقط لِكونها «مؤسّسة لا تبغى الربح»، أي لا يمكن لها قانوناً أن تجني «ربح»، إنّما- إنّما، هناك تقريش للربح بأشكالٍ أخرى، مثلاً:
a. رواتب هائلة للإداريّين (راتب رئيس الجامعة فضلو خوري مثالاً)
b. استثمارات (تستثمر الـAUB مبلغاً قيمته 93 مليون$ في جزر الكاريبي وأميركا)
c. مشاريع توسّع (مشروع مستشفى الجامعة الأميركية 2020، والذي كلّف بالمناسبة خسائر معدّلها مليونَا دولار شهرياً منذ منتصف العام 2019 بسبب سوء الإدارة)
d. والأهمّ، الأهمّ، ودائع في المصارف تعيش الجامعات من الفوائد عليها– الفارق النظري الوحيد، أنّ هذه الوديعة ليست ملك فرد يطيب له إنفاقها كما يشاء، إنّما ملك «مؤسّسة».

هي «مؤسّسات لا تبغى الربح» إذاً، لكن «سجلّات دائرة الإيرادات الرسمية الأميركية IRS تظهر أنّ المؤسّسة (AUB) حصّلت 380 مليون$ كدخلٍ صافي بين العام 2011 و2018».

2. «مؤسّسة لا تبغى الربح»، صحيح، إنّما تحصّل ربحاً مضاعفاً. من جهة، هناك الربح العادي الذي ذُكِر للتو. ومن جهة أخرى، هناك نفقاتها مُخَفَّفة نسبيّاً، لِكَون الجامعات هذه مَعفيّة من الضرائب. وهذا ما يفرض على الدولة أن تراقبها كي تتأكّد فعلاً إن كانت لا تجني ربحاً، فتعفيها من الضرائب. لكن طبعاً لا تفعل الدولة ذلك. بل أكثر، هذه المؤسّسات العملاقة هي مدعومة من الدولة بالقدر عينه المدعوم فيه منزل صغير في الأحياء المجاوِرة. الوحدَتان تتلقّيان مثلاً نفس الكهرباء المدعومة من الدولة- الفارق أنّ الكوخ المُجاور يستهلك لمبة وبرّاداً، الـ AUB تغذّي مُجمّعاً بكامل ما يتضمّن من لوجستيات. معنى ذلك يا عزيزي أنّك أنتَ، دافع الضرائب، تساهم في هذه الأثناء بدفع نسبة من كهرباء الـAUB كما تدفع نسبة من كهرباء بيتك الخاص! طبعاً، لا مانع من ذلك إن كان هذا الدعم يُخَفَّض من قسط الطالب فيستَفيد، إنّما المشكلة إن كان يُضاف على راتب فضلو.

أمثلة فاقعة أُخرى ورَدَت في فيديو «ميغافون» الأخير، منها أنّ إدارة الجامعة رفضت، في عزّ الانهيار، أن تعدّل رواتب الإداريين، وهم ما زالوا يتقاضون رواتب عالية وبالدولار الأميركي […] فضلو خوري مثلاً، يقبض 4 أضعاف راتب رؤساء الجامعات في أميركا، فلنفترض أنّه 62 ألف$ (وفق تقريرٍ صدر عام 2016، لكنّه اليوم أعلى)، 62 ألف$ = 496 مليون ل.ل. شهرياً بسعر صرف الـ8،000، بينما، مِن الموظفّين المطرودين مَن معاشه 800 ألف ل.ل. شهرياً، يعني راتب فضلو يوازي 620 مرّة راتب الموظّف ذاك!

ثم تستنظر الجامعات الخاصة، منّا نحن، أن نصدّقها بأنّها تمرّ بضائقة مالية. لا بل، تريدنا أن نقتنع بأنّ حل هذه الأزمة (الكاذبة) هو تسعير دولار أقساط الطلّاب بـ3900 ل.ل.

أليست هذه حرباً؟
فإذاً، حارِب!
قطاع خاص مع ضوابط، تعزيز الجامعة اللبنانية. حدّ أعلى للأجور.
نعم، هل كنتَ تعلم؟ يمكن للدولة أن تفرض حدّاً أعلى للأجور، وليطَلْ بالتحديد فضلو خوري. عقوبات يتّخذها وزير التربية على المؤسّسة المعنية، الفئة الرابعة من المادة 63 في الأحكام العامة للتعليم العالي.
ولا تنسَ، معركة الشارع، صَعِّد!
الجامعة تكذب. الجامعة تعلن حرباً كانت تخوضها سابقاً بشكلٍ ناعم. حرب طبقية، كَون دولرة الأقساط خطوة سياسيّة قبل أن تكون خطوة اقتصادية. ولنا عَودة لتفنيد هذا الموضوع لاحقاً.

المهمّ، ما ذُكر، ينفي حجج الجامعات في دولرة أقساطها. ما ذُكِر، يؤكّد أن الجامعات الخاصة تكذب، لا بل يدلّل على أنّها تحاربُك… حاربها!