الحكومة المظلومة: غدّار يا زمن

قد نظنّ للوهلة الأولى أن حكومة حسان دياب بعشوائيّتها وبوليسيّتها وفشلها المتكرّر خارجةٌ عن سياق المرحلة وروح العصر. لكنها في خطابها عكس ذلك تماماً، تثابر على رسم نفسها بصورة المظلوم/ المخلّص، لتستثمر ذلك على أرض الواقع. 

تفعل الحكومة ذلك بلغة ليس أسهل من العثور على أشباهها في ملايين البوستات والتويتات المشحونة بمعاجم: ضاع الوفا، ما فيش صاحب بيتصاحب، طبيب جرّاح قلوب الناس أداويها….

إليكم تكثيفٌ لبعض تعابير المظلومية/ البطولة الصادرة عن 5 وزراء ورئيسهم:

ليكون  معلوم عند يللي بيجهل أو بيتجاهل، معيب ونحن في هذه الأزمة المصيرية أن تكون العقول والألسنة مشغولة بشائعات سخيفة. «أغفر لهم يا أبتاه…». أطلقت علينا السهام.
ما ذنبُنا، ما ذنبُنا؟

شحّت بشائرُ الرغد وضاقت السبل في دوامة القهر، ضاربة بالمُثُلِ عند أنين الفقر وشماتة الدهر، فلامست شفير سواد ما نخشى. كانت تلك فرصة لابتسامات صفراء بقيت مكتومة. كلّ شي بالحياة ثقافة، الصدق والشفافية ثقافة والتضليل والرياء للأسف عند البعض شطارة.

من هنا  أدعو اللبنانيّين إلى مزيد من الصبر.

هذه مقتطفات خارجة عن سياقها، ولذلك فإن كونها تلتقي في سياق واحد رغم اقتطاعها خير دليل على طبيعة مشتركة ما في توصيف الحكومة نفسها، بين سطور المواقف المتعلقة فعلاً بالوظيفة التنفيذية على قلّتها. بعبارة أخرى، إذا قمنا بجمع عيّنة صغيرة من النفايات الخطابية في موقع الحكومة يتبيّن الهامش اللغوي متناً لدعاية حكومية دفاعية.

ها هو جبران باسيل رئيس أكبر كتلة نيابية في دولة منهارة، شريك الحكم لعقد ونصف تقريباً، يشتكي من «التنمّر» ولا ينفكّ يتحدّث عن «الاغتيال» السياسي و«النكد». فيما تنكبّ الأجهزة على ترهيب الناشطات والناشطين ومطاردتهم وتوقيفهم بسبب فيديو من هنا وبوست من هناك. إنها مؤامرة خفيّّة على العونيين طبعاً! تنفجر الكتل الأكثر فقراً في بيروت وطرابلس تباعاً في ليالٍ تشهد ارتفاعاً خطيراً لمستوى الغضب والعنف: إنها محاولة انقلاب على حسّان دياب! 

هم مظلومون دائماً، يوماً من «الحراك» كما أسماه حبيب الجماهير، ويوماً من الأنا- الآخر،  العدو- الشريك… يوماً من سعد ويوماً من سمير وبهاء. وهؤلاء بمنتدياتهم المجتمعة على المذهبة، وحُرمة سوليديرهم المخترعة، وحُرمة حكيمهم العابقة بذاكرة الحرب، قد تمكّنوا من استثمار الفراغات السياسية الشعبية لاختراق الأجندة الثورية. وبالتالي، تمكنوا أيضاً من منح دياب وباسيل وحلفائهم المنصّة المثالية للقفزة المظلومية التي يليها فوراً هبوطٌ أمني ثقيل على رؤوس الثوريين.

لكن بينغ بونغ المظلوميات بين فصائل القسمة الطائفية يبقى تحت سقف التفاوض الداخلي الذي سيتجسّد في بعبدا الخميس، لإخراج معادلة سلطوية جديدة على ظهر أحداث الميكرو-فتنة أوائل الشهر والمواجهات القاسية التي شهدتها طرابلس وبيروت بعد ذلك. على ظهر مظلومية مشتركة تجاه الذين ليسوا «أوادم» كفاية في رأي الذي لا يُقبل رأيه في المسألة.

المطلوب؟ 

أن نصطفّ أفواجاً خلف الأمين العام والأستاذ وباسيل ودياب، في معركتهم بوجه سلسلة لا تنتهي من المؤامرات، وأن يكون سقف طموحنا أن نبتهج لرؤيتهم يجدون تسويةً على الحكم وعلى المال، مع الذين من المفترض بهم أن يكونوا هم المؤامرة في الداخل والخارج!

يرفق وزير الاقتصاد راوول نعمة تغريدته التي يقول فيها إنّ ما من حبّ أعظم من أن يبذل أحد نفسه في سبيل أحبّائه بصورة للسيّد المسيح على الصليب في مناسبة الجمعة العظيمة في نيسان الماضي. وفيما يشير الوزير إلى تضحية المصلوب، فإنّه في الإحالة يتكلّم عن نفسه وعن تضحياته على خلفية شمسٍ لا نعرف إن كانت تغيب أو تشرق. 

وهو، كسائر زملائه في الحكومة، يعلم أنّه سيساق إلى التضحية حالما تُرسي السلطة تسويتها المقبلة وتُنجز مهمتّها بحماية مصالحها الاقتصادية والأمنية بتفتيت الثورة وقمعها… إذا تمكّنت من ذلك.

«الشارع ما بعد الوباء»: إلى أيّ «شارع» نعود؟

انتهت لحظة 17 تشرين ورغبة في أن يعيد هذا التاريخ نفسه بمحاولة لإعادة افتعال مشهد لا يمكن تركيبه من جديد فالشارع جزء من مشهد أوسع محكوم بعلاقات القوّة وتناقضاتها هذه المرحلة تحتاج إلى ابتعاد عن نزاعات قوى الثورات المضادة

حسّان دياب مستعيراً وجه رستم غزالي

تكمن خطورة هذه الحكومة في ثلاث نقاط قدر على طريقة البعث السوري أن يمازج بين شخصياتٍ ووزاراتٍ أبعد ما تكون عن التكنوقراط وعدوّه هو نحن تتجهّز الحكومة بأدواتها هذه وشخوصها لإبادة الثورة بكل ما هو ممكن ومتاح