الخطّة الإنقاذيّة ومشتقّاتها من التشبيح

يُعيد نظام السوق إنتاج العنصريّة والتهميش من خلال العرض والطلب. لقد استقدم لبنان العمالة الأجنبية في البداية عن طيب خاطر، ضمن النظام الرَّيْعي المُعتمِد على قطاع الخدمات، والمركّز على اقتصاد الاستهلاك على حساب الإنتاجية المحلية. احتاجت الخطّة الاقتصادية التي عاملت لبنان كشركة خاصّة، إلى اعتماد تكلفة قليلة وشبه منعدمة لليد العاملة، تكلفة غطّاها الفارق بين العملتَيْن السورية واللبنانيّة. تمّ استقدام العمّال السوريين بحماسة لأنّهم، كسواهم من العمّال غير المواطنين، مستثنون من حقوق العمل التي طالب بها اللبنانيون تاريخياً في مصانع غندور وغيرها من الماكينات الرأسماليّة.


خلال الحرب الأهليّة، تقلّصت مساحة عمل الطبقة المسحوقة من اللبنانيّين بسبب الطائفيّة وانعدام الأمان أثناء التنقّل من منطقة إلى أخرى. ثمّ تقلّصت كذلك مساحات تشغيل الفلسطينيّين والسوريّين، لأنّ الدولة علّقت فشلها وتحريضها وتشبيحها على «العناصر الخارجيّة» وحبكات المؤامرة العالميّة في مرتبة تعلو مسؤوليّتها في جلب التفقير والتهميش لسائر الناس. ألقى أمراء الحرب مسؤوليّة صنيعهم على الفلسطينيّين والسوريّين، ضمن سرديّات متعدّدة لا تزال موجودة عن فتيل الحرب ومَن أشعله، في غياب العدالة الانتقالية وحالة الأمنيزيا الجماعيّة التي تعاني منها مناهج التاريخ المدرسيّة. استثنى أصحاب العمل اللبنانيون الفلسطينيين والسوريين من التشغيل، كما استثنوا المواطنين من طوائف غير طائفتهم من الخدمات.

لا تأتي المصائب فرادى. فالعنصريّة والطائفيّة متلازمتان، لا تعالَج إحداهما دون الأخرى. فتزامنًا مع ذلك، فتحت سوق الهجرة العالميّة المجال للبنان لاستقدام العمّال والعاملات من جنوب شرق آسيا وأفريقيا، بلدان من الجنوب العالميّ لا مصالح معها أو تاريخ مشتركاً واضحاً، لا يد لها في الحرب ولا ساق، كجيش عمّال احتياطيّ ليملأ الفراغ الذي تركته السياسات الطائفيّة وسرديّات «البادئ أظلم».

لدى انتهاء الحرب، اشتدّت الحاجة إلى يدٍ عاملة أكبر. أعاد العمال السوريون وغيرهم إعمار البلد. واليوم، تحاول سوق أخرى استقدامهم ضمن مشروع «إعادة اعمار سوريا». فنرى أشباه المثقّفين، وإن كانوا من تكوين ماركسيّ، يخدمون بخطابهم فكرة الفصل العنصري. فهم يحبّون الجميع، ما دام جميع «الآخرين» وراء الحدود. فالعنصرية ونظيرتها الطائفيّة تتلازمان واستغلال العمّال، لأنّ تبرير الاستغلال من منظور الاقتصاد الرأسمالي الشرس وحده عيب، فيُتبَّل بتعليلات إنسانويّة.


حين يتجاهل حزبٌ أساسُ وجودِه هو الصراع الطبقيّ هذه البديهيّات، وحين يحرّض على ترحيل اللاجئين السوريين، ويدعو الدولة إلى العمل على عودتهم إلى بلدهم ضمن خطّته الإنقاذيّة، وحين لا يستحي ويطالب بأن تكون تلك العودة وفق تعاون مع الأمم المتحدة والحكومة السوريّة، فهو يشبّح لنظام الأسد الذي قصف شعبه بالكيماوي. تتطلّب خطّة إعادة إعمار سوريا هذه، كما إعادة إعمار لبنان قبلها، اليد العاملة. لن ينزل بشّار وأتباعه إلى حظائر العمل وورشات البناء، بل يحتاجون إلى الناس المجوَّعين والمطرودين من الدول كافّة، يحتاجون إلى تخييرهم بين السيف والرَّقبة.

لا يتحرّج أحد، لا الليبيراليون اللبنانيون ولا أدوات السلطة، من هذا الخطاب. نسمعه يتردّد في كلّ المساحات التي تضيق علينا يوميّا. نراه متى ذهبنا إلى ثكنة الحلو للاعتصام والمطالبة بالإفراج عن السوريّين الذي ألقي القبض عليهم اعتباطيّا، فيقول لنا عنصر الأمن بابتسامة صفراء واستغراب شديد: لا داعي لوجودكم هنا. أفرجنا عن المعتقلين. لا يوجد لدينا سوى السوريّين. فلا حرج في المغادرة. نرى هذا القرف حين يقال لنا من طرف شركائنا في الشارع والنضال: شو؟ صرنا بحلب؟ أو حين يسألوننا، غير عارفين بخلفيّاتنا، ما إذا كنّا نريد فعلاً أن يرحل كلّ عنصريّ مقيت، بدل السوري، من هذا البلد، أو إن كانت تلك الشعارات مجرّد مبالغة مجازية نصحّح بها العبارات العنصريّة المطليّة على جدران شوارع تذكّرنا يوميّا أنّنا غير مرحّب بنا.

نحارب هذا الخطاب حين نهمس تحت أنفاسنا، والسوريون منّا خاصّة، يلّا إرحل يا بشّار بدلاً من يلّا ثوري يا بيروت. نتحدّاه، والعنصريّة والطائفيّة سواسية، متى بقينا في هذا البلد وساحاته، عمّالاً وعاطلين عن العمل، نعمل ضدّ خطط الدولة الإنقاذية التي لا تعمل إلا على إنقاذ نفسها.

إنّه المخيّم

في السابع عشر من تشرين الثاني، اندلعت الثورة اللبنانية. نسينا التخاذل وهرولنا الى الشوارع، حاملين في داخلنا محصّلة أسئلتنا الوجوديّة. كسرنا الحواجز لأننا آمنّا بأنّ حراك المخيّمات سيتبلور مجدداً في الساحة اللبنانية. لكن، مرّة أخرى، صفعَنا الواقع وخيبة الأمل

الدولة اللبنانيّة التي قتلتْ سوزي

عاشت سوزي قبل سنوات مشرَّدةً ومنبوذة. لم تسعفها مساعدات أحد. لأنّ لا أحد يمكنه أن يحلّ مكان الدولة التي من واجبها حماية مواطنيها وتأمين ظروف لائقة لهم