الخوف الذي يقودنا إلى الكراهية

دخلنا العزلة المنزلية بوصفها السبيل الأفضل لـ«تسطيح المنحنى» والحدّ من انتشار الفيروس بشكل يؤدّي إلى كارثة صحية وإلى إنهاك القطاع الصحي. فتفادينا التفاعل الاجتماعي أملاً بإنقاذ المجتمع. لكنّ هذه العزلة نفسها، على ما يبدو، لم تؤدِّ إلى بروز أشكال من التضامن الاجتماعي، بل أخرجت أبشع ما فينا من مشاعر التمييز والكراهية.

وصمة العار
بدايةً أصابنا الخوف، فتخلّينا عن المنطق. فالمنطق يقول إنّ مريض الكورونا لم يطلب أن يصاب بالمرض، ولم يذهب ليبحث عنه، حتّى لو ارتكب خطأ عدم الوقاية، سواء بدراية منه أم لا. لذلك لا جدوى من وصمة العار التي أصبحنا نُلحقها بالمريض، لا بل يمكن القول إنّها ستضرّ بنا. ذلك أنّ الذي يعاني من عوارض سوف يتردّد بالإفصاح عنها خوفاً من الكمّ الهائل من الشائعات التي سوف تطاله. إذا كنا نتذمر من الملل في عزلتنا، فلنتخيّل ما يعاني منه المريض في حجره الصحي.

الطبقيّة
أعادنا خوفنا أيضاً إلى طبقيّتنا. تملك الطبقات العليا أفضليّة تمتُّعها بالترف الذي يسمح لها بالانعزال لعدم اضطرارها للحضور إلى مكان عملها أو لعدم وجود تهديدٍ للُقمة عيشها. لكنّ هذا الامتياز جعلها تعتقد أنّ المرض لا يتفشّى في المجتمعات المخمليّة «الواعية»، إلى أن أثبتت الحالة التي جاءت من بريطانيا عكس ذلك.

الطائفيّة
كان لا بدّ للطبيعة الطائفية أن تعود لتظهر، خصوصاً مع انتشار الوباء في إيران، ممّا جعلنا نصبّ جام غضبنا على الطائفة الشيعية. هذا لا يعني أنّ الدولة لم تخطئ بعدم ضبط الحدود وعزل المسافرين القادمين من هناك، ولكنّ هذا التفصيل لم يكن ليغيّر كثيراً من حقيقة أنّ الوباء كان سيصلنا عاجلاً أم آجلاً. لقد تمكّن خوفنا منّا بالطريقة نفسها التي تمكّن فيها من بقيّة العالم حينما بدأ يرتعب من الملامح الآسيوية.

العنصريّة
تلازمنا عنصريتنا أيضاً كحالةٍ مزمنة في كلّ حدث وقضية. فنحن لا نأبه لاحتمال تفشّي الوباء في مخيّمات اللاجئين السوريّين والفلسطنيّين، ولا بعدم قدرة هؤلاء على الوصول إلى رعاية صحية مناسبة. فنغضّ النظر عن هذا الاحتمال كأنّه غير قابل للتحقّق، وإذا ما تحقّق فعلاً، سنمضي إلى لوم اللاجئين على «قلّة وعيهم»، ولن نلوم السلطات التي من واجبها الالتفات لهذا الأمر.

كبار السنّ
وإذا كان الخوف قد نجح في تظهير نزعاتنا الطائفية والعنصرية، فإنّ محاولات التخفيف من هلعنا قادتنا إلى أمر لا يقلّ سوءاً. فبتنا نردّد أنّ احتمال الوفاة جرّاء الكورونا هو الأعلى عند كبار السنّ أو الذين يعانون من أمراض مزمنة، كأنّ ذلك يخفّف من وطأة الوباء علينا. لكن مَن منّا لا يعرف ثلاثة أشخاص على الأقلّ ينطبق عليهم هذا التوصيف؟


يقول جان جاك روسو إنّ الإنسان يولَد طيّباً بطبعه، ولكنّ المجتمع هو الذي يفسده. الأجدر بنا كأفراد أن نعود الى إنسانيّتنا في ظلّ هذا الوباء العالمي. فالنتيجة الأهمّ التي يمكن استخلاصها من الكورونا هي تساوينا أمام ظرفٍ كهذا، ولا يمكن أن يكون أسلوب التعامل بعكس هذه الحقيقة.

لا تُعطونا الطفولة

كلّما ضاقت حركتنا إلى حدود غرفنا، زادت السلطات على أنواعها فهل يتنصّل الحزب من مسؤوليّته في طوأفة المجتمع؟ التنصّل ذاته تمارسه وسائل الإعلام مثلاً في مخاطبتها الطفل الأبديّ فينا رحم الله الموسيقي رينيه بندلي، أبا ريمي، الذي جعلها تبقى في أذهاننا طفلةً أبدية

الخوف من الخوف

يوقِظ هذا العدو المجهول مشاعر الخوف والذكريات المزعجة وأخبار المآسي القديمة المدفونة في اللاوعي، الفردي والجماعي، ويتحوّل إلى كابوس يقضّ أماننا النفسياعتدنا التعامل مع عدوٍ خارجي، مرئيّ، مألوف، نعرفه جيداً ونعرف عنه، ما يساعدنا في مقاومته. أمّا وقد أصبح بيننا ومعنا وداخلنا، فهذا ما لم نعتدْهُ