الخوف من الخوف

سهّير ليالي وياما لفيت وطفت… وفي ليلة راجع في الظلام قُمت شفت… الخوف كأنه كلب سدّ الطريق… وكنت عاوز أقتله بس خفت… عجبي.

صلاح جاهين

 

توقّفت الحياة التي كنّا نعرفها، لتصبح ملامحها كالذكريات البعيدة. تتحوّل الأماكن المعتادة لأطلالٍ نسترق النظر إليها من جحورنا التي يذكّرنا كلّ مَن حولنا بضرورة البقاء فيها وعدم مغادرتها خوفاً على سلامتنا. حتّى شاشات هواتفنا الذكيّة باتت هذه وظيفتها.

نتحوّل شيئاً فشيئاً إلى كائناتٍ بيولوجية منشغلة بالبقاء قيدَ الحياة. فأعمالنا وإنجازاتنا وانشغالاتنا وروتيننا اليومي ومسؤولياتنا المختلفة التي كانت تُعيننا في تحمُّل قلقنا الوجودي وتُلهينا عنه، لم تعد ناجعة. يتحايل كلٌّ منّا بابتكار طُرُقٍ للتأقلم مع الحياة بشكلها الجديد، وللهروب من مشاعر القلق والخوف والعجز والحزن والإحباط التي تتخبّط داخلنا. نتلقّف الأخبار الواردة إلينا، ونلهث وراءها لا إرادياً لنطمئنّ أنّنا ما زلنا بخير وكأنّنا نحتاج لمعرفة أنّ العدو المُستجّد يلهو بعيداً منّا. ففي وضعٍ جديد مجهول المدى، تقتصر حركتنا على السير بحذر بين أخبار العدوّ الجديد واستراتيجيات الحماية منه.

يوقِظ هذا العدو المجهول مشاعر الخوف والذكريات المزعجة وأخبار المآسي القديمة المدفونة في اللاوعي، الفردي والجماعي، ويتحوّل إلى كابوس يقضّ أماننا النفسي. عدوّ لا مرئي، تنعدم معه المسافة بين التهديد المُدرَك (في واقعنا النفسي) والتهديد الفعلي (في الواقع الخارجي). عدوّ مُعدٍ، شديد العدوى، يحوّل الآخر، أي آخر، إلى مُشتبه به. فهو غير مرئي، لكنّه موجود بيننا وقد يكون أحدنا.

يزيد الشكّ والخوف حتّى يصبح الآخر مُجسِّداً للوباء، ناقلاً أو حتّى باذراً له، untori وفق التعبير الذي كان يشار به لناشر الطاعون (الموت الأسود) في إيطاليا القرن السادس عشر. كأنّنا نعيش فصلاً من رواية الخطيبان (I promessi sposi) لأليساندرو منزوني، أو من حكاية الدهان: حولية الاحتضار (Diceria dell’untore) لـجيزوالدو بوفالينو. فنحتمي بعزلتنا، ونلتهي بالتعقيم والتنظيف والغسل علّنا نُطهِّر أنفسنا من هذا العدوّ ومن كلّ ما يمتّ له بصلة. علّنا بذلك نغسل أنفسنا من المخاوف والذكريات التي أيقظها فينا.

قد ننجح في إبعاد شبح العدوّ وحماية أنفسنا، لكنّ فكرته لا تبارحنا. نخاف من أفكارنا ومن خوفنا. نتصارع مع العدو داخلنا، كلًّ يتصارع مع العدو داخله بطريقته. الاستهزاء والسخرية، الانشغال بالتفكير والعقلنة، الالتهاء بأمور مختلفة… تنشط دفاعاتنا النفسية البدائية لتساعدنا في الهروب وتجنُّب التهديد والتلاعب بفكرته، فنعمد بشكلٍ لا واعٍ لدفاعات نفسية بدائية (كالإنكار والفَعلَنة والكبت والإسقاط والانسحاب والتعميم)، ونتأرجح بين العجز (impotence) والقدرة الكليّة (omnipotence).

اعتدنا التعامل مع عدوٍ خارجي، مرئيّ، مألوف، نعرفه جيداً ونعرف عنه، ما يساعدنا في مقاومته. أمّا وقد أصبح بيننا ومعنا وداخلنا، فهذا ما لم نعتدْهُ. تجنّبنا للخوف يزيده شدةً وحجماً وعدوىً، بينما يصغر حجمنا وفعالية وسائلنا المعتمدة. فتجدنا، في عزلتنا وملجإنا المرتجى، أسرى حلقة مفرغة من الخوف والخوف من الخوف.

هذيانٌ ينشر الأوبئة

لا تزال شريحةٌ من هؤلاء مقتنعة أنّ المسألة برمّتها لعبة سياسيّة إقليميّة فما يجري في الحلم هو بناءٌ على عناصر مستوحاة من الواقع ليست المسألة مسألة تكريس التناقض بين العلم والدين عندما يدخل الدين مرحلة «التشويه الخرافي للواقع»

الممانعجي في زمن الجائحة

يجد دائماً الخطّ السحريّ- غير المرئي من الحكاية فلا يمكن أن تكون ممانعاً وليس لديك أبطال خارقون فقد يكون فيروس كورونا هو العالم الموازي للحجر الذي أجلس نفسه فيه فمِن فوائد هذا الصديق أنّه أظهر عجز الغرب عن مواجهته