الدولة البوليسيّة القادمة

ليس الانهيار الاقتصادي ووباء كورونا الخطرَيْن الوحيدَيْن المحدِقَيْن بلبنان. فقد بدأت الدولة البوليسية بالظهور. تلك الدولة التي تتميّز بالقمع والسيطرة على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، غالباً من خلال ممارسة سلطة تعسّفية من قبل قوى الأمن بدلاً من اللجوء للقضاء والإجراءات القانونية العلنيّة المعروفة.

ففي نظرةٍ سريعة إلى عناوين السنوات السابقة، يمكننا أن نلحظ الأمن وراء عدد كبير من الإجراءات:

الأمن كان العذر وراء حظر تجوّل اللاجئين السوريّين ليلاً في عدّة بلديّات.

الأمن كان العذر وراء الصمت الحكومي عن مخالفة الأمن العام اللبناني لأحكام قضائية وحتى لقرارات وزارة الخارجية، ولتعامله بعنصرية مع الفلسطينيين والسوريين، ولفرضه بشكل غير قانوني حصول ربّ العمل على جواز سفر العاملة المنزلية الأجنبية.

الأمن كان العذر وراء تركيب كاميرات مراقبة في مختلف أنحاء بيروت وقد يكون السبب وراء تركيب نظام التجسّس الذي أنكرت الدولة وجوده.

الأمن كان العذر وراء التعرّض للمتظاهرين بالضرب وبالرصاص المطاطي.

والآن يعود الأمن ليطلّ من الزاوية الصحية.
فالأمن هو السبب وراء حظر التجوّل الذي يبدو أنّه يحصل خلال ساعات عمل فيروس كوفيد-19، أي ليلاً.

وكذلك أمن موظّفي المصارف الذي كان بالطبع هو السبب وراء عدم فتح المصارف فروعها وحراستها من قبل قوى الأمن.


لكنّ الأخطر من كلّ ذلك هو أنّ الحكومة التي تدرس الإنقاذ الاقتصادي، تقدّمت باقتراح إجراءات ذات أثر رجعي. فبحسب حسان دياب، سوف تحظى مسألة استعادة الأموال المنهوبة بحيّز أساسيّ من عمل الحكومة للتعويض على اللبنانيّين عن الجرائم التي اقتُرفت بحقّهم. فالخطّة الاقتصادية تتكلّم عن استرداد الأصول المنهوبة.

لا يسع المرء إلا الموافقة على هذه العناوين. إلا أنّ الخطر هو في ما تضمّنته الخطّة من «تدابير زيادة الإيرادات» كإنفاذ «قانون بأثر رجعي» واسترداد الأصول المسروقة على أساس التحليل القانوني الذي قامت به الحكومة.

فالخطّة تحارب الفساد ليس فقط بمعاقبة الفاسدين، بل أيضا من خلال تشريع ذات أثر رجعي يجعل مَن قام بعمل غير أخلاقي- ولكن ليس غير قانوني- عرضةً لتدابير لم تكن موجودة عند قيامه بالعمل.

هذا الأمر مخيف ومخالف لمبادئ الدولة وللقانون. فالتشريع الرجعيّ قد يكون مقدّماً تحت عناوين شعبوية نوافق عليها جميعاً، وضدّ أشخاص نوافق جميعاً على ضرورة إدانتهم، ولكن ما الذي يمنع أن يكون إقرار المبدأ بدايةً لسلسة قوانين ذات أثر رجعي قد تعود وتتعرّض لنا؟ ما الذي سيمنع التشريع الرجعي المتعلّق بحرية الإعلام مثلاً؟

التشريع ذو الأثر الرجعي يهدّد الحريّة الخاصة واستمرار العمل الاقتصادي، ويمهّد للانجرار نحو نظام حكم ديكتاتوري أو مطلق. ففي حال وجود تشريع ذات أثر رجعي، كما كان يحدث في الأنظمة الملكية سابقاً عندما كانت القوانين تستهدف أشخاصاً معروفين أو أعمالاً سبق ونُفِّذَت، يتعطّل الاقتصاد بفعل خوف المواطن من نصّ تجريم أو منع أو غيره قد يأتي لاحقاً. هذا فضلاً عن إمكانية استعمال القانون للانتقام من المعترضين وما إلى ذلك من مزايا الأنظمة القمعية المطلقة.

والحقيقة أنّ محاسبة الفاسدين واسترجاع الأموال المنهوبة ممكن الآن وليس بحاجة لتشريع ذات أثر رجعي، بل لاستقلال قضائي.

فالفاسدون خالفوا القوانين، والتقارير والشكاوى موجودة وكثيرة. وحتّى الخلل في توزيع الثروات في لبنان يمكن معالجته من خلال إجراءات لا تخالف مبادئ التشريع.


في ظلّ كلّ هذه التعدّيات، وفي ظلّ وقاحة الدولة التي لا تعتذر عن قتل شعبها ولا تتردّد في دفع مستحقّات شركة ربّما تكون تعذّب عمّالها الأجانب، يجب التذكير بأنّ القانون الجزائي اللبناني ينصّ على مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات. وذلك يعني أنّه لا يمكن للدولة أن تحاسب أحداً على جرم لم يكن جرماً عند اقترافه، أو بعقوبة لم ينّص عليها القانون لدى إتمام العمل.

لقد كرّس إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر عن الثورة الفرنسية عام 1789 حقّ مقاومة الاضطهاد كحقّ طبيعي للإنسان. والمقاومة مثلما هي ضرورية ضد الاحتلال الأجنبي، هي ضرورية أيضاً ضدّ استعمال ذريعة الكورونا والانهيار الاقتصادي والحفاظ على الأمن لقمع ما تبقّى من حرّية في لبنان.

العزاء المستحيل والعدالة المعلّقة

لم يموتوا ليحيا لبنان مزّقت الجريمة الشاملة نسيج الحياة اليوميّة العاديّة من يستطيع أن يسترجع الشعور بالأمان في منزله بعد الجريمة؟ فتطمس خصوصيّة الجريمة الشاملة مشاريع ضحايا حوادث عرضيّة مستقبليّة

بعد عشرين عاماً: عسكر على مين؟

فهو الشارع الذي عرف الشهيد فرج الله حنين لا في مساعدة الأهالي بأعمال الإغاثة سألني إن كنتُ وراء تدوين تلك العبارات تبدو المشكلة نفسها مثلما صوّرها سمير بفرض فائض من القوّة الزائفة