الدولة اللبنانيّة التي قتلتْ سوزي

ماتت سوزي، كما يموت مَن لا أرضَ لهم. امرأة عابرة جنسيًا، لا أعرفها. لكنّي أجزم ككثيرين، أنّني أحسستُ بخسارةٍ شخصيّة. وكأنّنا التقينا بها يومًا. نعرفها من ضحكاتها المرحة وحزنها الشفيف، مِن ملامح وجهها الذي ضُرب وعُنِّف وهُشِّم مرارًا في بلادٍ متوحّشة وأنظمة أبويّة قاتلة، مِن ماكياجها الأليف وحركة شفتَيْها النبيذيّتَيْن.


ماتت سوزي.
لا، قُتِلتْ. ضحية جلّاد نعرفه. نَصِفُه بكلماتٍ وبحركات الأيدي وبالصمت. نثور ضدّه في الشوارع منذ أكثر من مئة يوم. نواجهه بصدور عارية وبعيون مفتوحة.
جلّاد أو جلّادون، بأوجُهٍ كثيرة وأذرُعٍ طويلة وأقدامٍ تنبت في بيوتنا وأحيائنا وغرف نومنا وتحت شرفاتنا.
نظام يقتل الاختلاف والمختلفين والأقليات. لا، إنّه يقتلنا جميعًا، مواطنين ومواطنات، مهاجرين ومقيمين.
يقتلنا بالغاز والرصاص والعصيّ والهراوات، وبالقوانين والمراسيم.
يقتلنا بمسمّيات كثيرة. باسم الدين، وباسم الدولة، وباسم البوليس، وباسم المصرف، وباسم القضاء، وباسم البطركية الأبويّة.
يقتلنا بالحقد وخطاب الكراهية والفساد، في دولةٍ يُقال إنّ عاصمتها أمّ الشرائع. ولا شرائع وشرعيّة فيها سوى للمعنِّفين والذكوريّين والسماسرة والميليشيويّين وتجار البشر والدم والسلاح.


بلادنا التي تُميت أحلامَنا وتغتال أجسامنا هي من قتلت سوزي، وتقتل بالخفاء كلّ يومٍ مَن يشبه سوزي، ومَن يجاهر بنفسه. من يظهر بلا خوف. ولا ظهر يحميه. لا بيت ولا عائلة ولا قانون.

عاشت سوزي قبل سنوات مشرَّدةً ومنبوذة. لم تسعفها مساعدات أحد. لأنّ لا أحد يمكنه أن يحلّ مكان الدولة التي من واجبها حماية مواطنيها وتأمين ظروف لائقة لهم.

عانت سوزي، فوق حرمانها، من السجن لأنّها عاملة جنس. قُتِلت وضُرِبت واغتُصِبت ورُهِّبت واستُغِلّت، لأنّ لا دولة تحميها ولا نصَّ دستورياً تلجأ إليه.

قُتلت سوزي لأنّ دولتنا وحشٌ، يبتلع مواطنيه.


حين قرأتُ خبر موتها على مواقع التواصل الاجتماعي، كنتُ خارجًا لتوّي من عرض كويريّ في مدريد. شعرت بحزن شديد. ونظرت إلى العابرات والعابرين الذين يخرجون من النادي الليلي بالضحك والهذر. يرتّب بعضهنّ شعورهنّ الطويلة، أو يُعِدن وضع أحمر شفاه جلغَمَتْه قبلاتٌ شرهة.

فكّرتُ بسوزي التي شاهدتُها عبر فيديوهاتٍ وحلقاتٍ صُوِّرتْ معها. لو عاشت هنا في مدريد، ربّما كانت واحدةً من ممثّلات بيدرو ألمودوفار. أو واحدة من أهمّ المؤدّيات في مسارح العاصمة الإسبانية التي تصون وتحمي حقوق المهمَّشين والأقليات الجنسية. أو عاملة جنس كما حالها، ناشطة كويريّة، لا يُنظَر إليها بشفقة ولا تُهان وتغتصَب أو تصبح مثار ضحك على مواقع التواصل الاجتماعي، أو يستغلّ قضيّتها إعلامٌ تاجرٌ ورخيص.

فكّرتُ، وكي لا يشتدّ حزني، اقترحتُ على شريكي تِيُو، شرْبَ نخبٍ لها. كان شعورًا مربِكًا، أن تحسّ بالعجز، ألا تكون قادراً حتى على التضامن. الكلام تافه ومكرّر. ولا يغيّر من شيء. حتّى هذه الكلمات التي أكتبها ستُنسى.


هذه الثورة تقوم وتزهر من أجل قتلاها، من علاء أبو فخر وحسين العطّار وعمر زكريا وسوزي التي تنضمّ إليهم اليوم. لعلّ رحلتها الشاقّة التي انتهت، تكون يومًا رحلة عبور إلى الدولة العادلة، لا دولة البوليس.