الدي. جي. صدّام حسين

الهدف الفعلي للطاغية أخرق ولا معقول، إنّه يريد أن يكون الأوحد، وحيّاً على رميم الآخرين.
الياس كانيتي- كاتب ألماني

يعيد الدكتاتور إنتاج نفسه. هناك أجيال يشغلها الحنين إليه وإلى صوره المتخيّلة. تُخترَع له ذاكرة ناصعة وبيضاء. خالية من الدم. كأن تذكّرنا بأنّه فعل ما لم نستطع فعله، بحمايتنا من العدوّ (أيّ عدوّ لا يهمّ). ما دام الدكتاتور لا يشوَّه، فهو عظيم ومارد وأشبه بأسطورة. آلاف الصور لدكتاتوريّين قُتلوا أو أعدِموا أو ماتوا بلا محاكمات، وبعضهم سجي بالصورة التي يريدها الطاغية عن نفسه كمخلّص وإله (حافظ الأسد وعبد الناصر نموذجًا).

تتمّ استعادة المستبدّين باختراع انتصارات واهمة لهم. يخترعها عادةً أناسٌ لم يعيشوا حقبة الدم تلك والترهيب والعنف البوليسي.
يلغون افتراضياً (عبر مواقع التواصل) صور المستبدّ البشعة أو يسوّغون أفعاله، وينتجون له وجوهاً لم تمت يوماً، وجوهاً حيّة على أجساد الضحايا، كتلك التي تمنّاها الدكتاتور عن نفسه وسعى إليها: شديد البؤس، وقويّ وجبّار، مغذّياً في الواقع المرير والمعاش وعياً ضامراً بالفخر والاعتزاز والمناعة والجبروت، أي الصورة المفقودة من الوعي الجمعيّ عن الأمّة. صورة قائد لا يُهزَم، بل حين يموت فهو يموت برفعة، وحين يُعدَم فيُعدَم بكرامة. وهذا ما فعله صدّام حسين في استنساخ صورته الأخيرة، حاملاً قرآنه بيده ومخاطباً محاكميه بتكبُّر واستعلاء. صورة جعلته قائداً ملهماً عند جمهور واسع لا يتورّع عن تذكيرنا بالحاجة الماسّة إليه اليوم.

من هنا، تأتي أهمية ما صنعته «معازف» من صورة مركّبة لصدّام حسين، واقفاً كالهيبستر خلف آلة الدي. جي.

استطاعت الصورة أن تحوّل طاغيةً إلى مادّة ساخرة، لا بل أعمق من هذا، جعلته مادةً بصريّة لا يمكن تخيّلها، حتى بالدعابة. فالدكتاتور لا يحبّ الدعابات. ولذا، فهي عدوّته. استخدام الدعابة عدوّة الدكتاتور لأنّها تبدّد الخوف منه (وهو الذي كرّس حياته من أجل هذا، بوجوهه كلّها، حاملاً بندقيّةً أو سبّاحاً أو مقاتلاً أو خيّالاً).

هنا تكمن قوّة هذا «الميم»، بغضّ النظر عن غرضه الدعائي لراديو الموقع. وهو أيضاً عمل فنّي مشابه لأعمال فنية معاصرة عالمية، كتلك التي صوّرت هتلر وفرانكو وموسوليني في وضعيّات ونماذج وصور ورسوم وتجهيزات فنية غير متوقّعة عنهم. الصُّوَر التي يخافها الدكتاتور، ويخاف أن تضعه فيها. فهو لا بدّ أن يحيا ولو بالذاكرة أو الاسترجاع على ما كرّسه هو وآلته وخطابه من عنف وهمجيّة وبؤس وقتل أو خلاص وقداسة أو إلهام.

حين يعارض المثقّف العضوي «الميم» بوصفه لا يرتقي إلى الفنّ، ويعتبره لغةً بصريّةً لا ترتقي إلى الصحافة الكاريكاتورية، فهو لا يجده يرتقي إلى هذيانه الجادّ باعتبار القضايا والشخوص لا تمرّ عبر السخرية، بل عبر التحليل.
لذا فهمَ البعض هذا الميم فعلاً عنيفاً بحق ضحايا الدكتاتور. أي علينا، كما يريد لنا هذا المثقّف، أن نتشخّص أيّ طاغية في صورته الأبدية: عنيفاً وقاتلاً بلا رحمة. كأنّ لا حقّ لنا في تجريده من صفاته، أو في تحطيم لعبته التي تلبس لبوساً رمزياً، مليئاً بالتخويف وبثّ الرعب والجبروت.

لنتخيّل فقط هذه اللعبة الذكيّة التي جعلتْها «معازف» مادّة سجال، لنتخيّل مضمون الصورة ونتعمّق فيها. أي ماذا يمكن لصدّام حسين أن يضع من قطع موسيقيّة في سهرة؟
وأيّ أنواع موسيقية سيدمج أو يلعب؟ ربما سيدمج أصوات نساء في أفلام البورنو مع موسيقى أم كلثوم؟ فلنتخيّل. لكنّ الدكتاتور والمثقّف الملتزم بأحكامه الجاهزة وقراءته الأكاديميّة، يخافان الخيال.