الرقابة قبل الكورونا وبعدها


نحن تحت الرقابة. مع الكورونا، وقبل الكورونا. حتّى قبل حظر التجوّل وعدسات المُخبرين ورجال الأمن والكاميرات الحديثة المزروعة على أطراف الشوارع وجيوش الإنترنت الجبّارة، كان لدينا الجارة والدكنجي وأهل الحيّ وأهل البيت. الأهل يراقبون الأولاد، الولد يراقب أخته، وجميعهم يراقبون الحيّ.

نحن تحت الرقابة. راداراتٌ بشرية منتشرة في كلّ مكان، تخضع لقوانين شفهية ترسم حدود الكلمات والسلوك. تلك الكلمات التي نستعملها يومياً، ولا نعرف مَن نطقها أوّلاً. وهنا تكمن أهميّة السيطرة عليها كي لا تنتشر مثل وباء وتضرب معتقداً أو آخر. فـ«الحكي بيجرح»، حسبما تقول الأمّهات.

الرقابة، بحسب بوكوفسكي، هي أداة الذين بحاجة إلى إخفاء الحقائق عن أنفسهم وعن الآخرين، خوفهم هو عدم قدرتهم على مواجهة الحقيقة… وإذا كان الخوف شعوراً غريزيّاً نتشاركه مع جميع الحيوانات الأخرى، فإنّ عدم القدرة على مواجهة الحقيقة ميزةٌ بشرية حصراً، تتطلّب كمّاً هائلاً من الكبت. يأتي الكبت ليبعدنا عن «التابو» الذي غالباً ما يتعلّق بمفاهيم دينية، اجتماعية، اقتصادية أو جنسية مجسّدة بشخصية أو إيديولوجية معينة.

لذلك، لا نستغرب الاعتقالات والدعوات إلى التحقيق في الفترة الأخيرة على خلفية بوستات لصحافيّين وناشطين على فيسبوك موجّهة ضد شخص أو معتقد ما. هذه يوميات منظومة انضباط الأفكار، حيث كلّ شيء «ممنوع». وإذا نجا من «الممنوع»، فلا بدّ أن يقع بطريقة ما في «العيب»… هذا «عيب»، وذلك «ممنوع».

الوطن هنا هو كناية عن عائلة مختلّة. آباء متعسّفون يحكمون المنزل، ونحن أطفال «الممنوع».

تسلسلٌ هرميّ مستوحىً من المؤسّسات العسكرية والدينية، وأصبح جزءًا من كلّ عائلة كما يعلّمنا فوكو. تأديبٌ يأتي من الداخل، رقابة في المنزل من أجل تحقيق الانضباط في كلّ مكان. يجلس الأب على رأس الهرم. نعلّق صورة الرجل القوي الذي لا يُهزم، أو«بي الكلّ» الذي يراقب الجميع، ونعيش سيناريو استبداديًّا يتّكل على الخوف من تداعيات عدم الانضباط.

هكذا تصبح البارانويا أسلوب الحياة الطبيعي. يمنعنا الخوف من تشويه «السمعة»، والحواجز الفكرية، من الانحدار عن «الصورة النمطية»، أي الخوف المبني على افتراضات.
أفترض مثلاً أنّني إذا ما تحدّثت عن إمكانية شفاء المصابين بالكورونا عبر استهلاك تراب القديس شربل عن طريق السخرية، أكون قد كسرتُ حاجزًا من تلك الحواجز الفكرية وأطلقت رصاصةً وهميةً نحو فكرة أساسية. لكن خوفاً من تحرّك خوف المجموعة المقتنعة بتلك الفكرة، يتحرّك خوفي، يتحوّل إلى رقابة ذاتية، فأتجنّب التعبير. لقد عبّر الفنان السوري علي فرزات عن هذه الفكرة بكاريكاتور ليدٍ تحاول الكتابة بقلم تخرج منه مسامير تأتي من داخل القلم (أو الذات) وتحاول قتل الفكرة قبل نطقها.

لكن لحسن حظّنا، الثورة كسرت الخوف في بطوننا، ولن نرضى بالعودة إلى زمن «الممنوع». نريدها دولة، لا عائلة. أصبح من السهل، لا بل من الضروري، إعادة صياغة المفاهيم والحفاظ على حرية النطق بصدق دون تردّد. ثمة حقيقة في الانفعالات والشتائم التي نوزّعها على جدران الشوارع وصفحاتنا، لذلك يوجد أيضاً من يحاول إخفاءها.

إذا كانت الكلمات ترعبهم، فلننشرها بغزارة، بكلّ وقاحة وبجميع السُّبُل المتاحة، لكي تصبح الهيلاهو جزءًا من رموز اللاوعي الجماعي، يردّدها طفلٌ بعد خمسين سنة دون أن يعرف من أيّ حقبةٍ أتتْ إلى أُذنه.

من الحبّ العام إلى الحبّ الخاص: الكورونا ورهاناتٌ لا تجيدُها الدولة

ولكنّ أيّاً منّا لا يراوده كابوس أن تُصبح مساحة الحياة الواقعيّة هي منازلنا وسنواتٌ من الحبّ الرسمي السينيكي، تعني استحالة أن يُصدِّق المواطن اهتمام الدولة بسلامته بإمكان صانعات وصانعي الثورة أن يستشفّوا أشكالاً مختلفة للحبّ

الوباء وأيديولوجيّته

هناك وباء، وهناك أيديولوجية الوباء التي بدأت بالظهور فبات الفساد والخصخصة والنهب الذين أدّوا بنا إلى هذه الكارثة جزءاً من الماضي فالأزمات هي التربة المفضّلة للنزعات القمعية عند الأنظمة، والفرصة لتحويل «حالات الاستثناء» إلى مرتبة الحياة الطبيعية