السوبرستار سليم سعادة

انسلّت الثورة في صقيع سليم سعادة. أعادت الحرارة إليه. إلى يدَيْه اللتَيْن لا تتوقّفان عن الحركة ولا تثبتان. فيُظهرهما البثّ المباشر من مجلس النوّاب، كأنّهما يدا ساحر اكتشف لتوّه جمهورًا، فارتبك.

منحت الثورة أصابعَه معنى المباغتة. ينقلها على الميكروفونَيْن باستحياء وخجل. يُخفي عبرها بهجته وسروره بأنّه هنا، أمام التلفزيونات التي لم تكتشفه يومًا وأمام لبنانيّين لا يعرفون عنه شيئًا، ولا عن عائلته وإرثه السياسيّ المحليّ ووالده القيادي التاريخي في الحزب السوري القومي الاجتماعي عبدالله سعادة وأمّه أوّل طبيبة تخرجّت من الجامعة الأميركية في بيروت، الدكتورة مي سعادة، التي لم تترك طرابلس يومًا.

هو مبتهج أنّه حاضرٌ في الجلسة رغم الكدمات التي تلقّاها من بعض الثوّار، ولا بدّ أنّه يعرف أنّه سيصبح سوبر ستار بعد ساعاتٍ على مواقع التواصل. راح ينطق. يتحرّك. يحاور فراغًا وأجسادًا لا يعنيها من كلامه شيئًا، لا بل ينتظرونه ليسلّيهم. يحكي موجِّهًا كلامه إليهم، ولو باتّهامات وتقريظ. فهو من جلدتهم، ويدرك أنّها لعبتهم المفضّلة. الأراجوز الأمثل لدور كهذا. يدغدغه من وقتٍ إلى آخر ديناصور السياسة أبو مصطفى. يناوره. يتناوبان على المشهد الذي لا شيء في غلّته إلا الخواء. لعلّه المشهد الأكثر تعبيرًا عن الفعل السياسي لهذه العصابة وخطابها وبيانها الوزاري وشخص رئيس حكومتها حسان دياب، المثقل هو الآخر خواءً وفراغًا.
هذا الفعل السياسيّ الخاوي، أعطيَتْ له سلطاتٌ أخرى خلف أسواره المسيَّجة. سلطاتٌ عنيفة وقاتلة بأدوات المصرف والجيش والأمن الداخلي، لتُبيد وتستبيح أجساد الثائرين. خواءٌ بأنيابٍ ومخالب، وأراجوز أيضًا.

يضفي سليم سعادة إلى لعبة العصابة الفكاهةَ العصيّة اليوم، بعدما كانت مهمّةً سهلةً لنبيه بري الحائر والخائف أيضًا. العجوز الذي صارت النكتة تخونه وتخون مزاجه العكر، وهو مهدَّد مع عصابته أمام برلمانه الذي منحه صفةً شخصية ليسمّى برلمان نبيه برّي. حامي الخواء وفعلَه، ومُلهِم العنف لعناصر «حركتِه» المرتدين بزّات الدولة البوليسية.


نحن أمام واحدة من أهمّ أزماتنا الحديثة، وأمام مآزق بوسعها أن تدمّر البلد وتُفقِر طبقاته المعدَمة. أمّا الأراجوز، فرغم استخدامه هذه المآزق في خطابه، فلا يهدف إلى حلّها. كلّنا نعرفها وكلنا نعرف الحلول، وهُم الجالسين حوله، رفاقَه في العصابة، يعرفون أنفسهم وما اقترفوه، ويضحكون على الأصابع الموجّهة اليهم.
لا يهمّهم خطاب الأراجوز وفحواه. هم هنا. في برلمان شيخ العصابة، يتحاصصون من جديد. يناورون للبقاء. ولا ضير بأن يخبرنا/ هم الأراجوز حكاياتهم: الفساد، السرقة، النهب، سياسات التفقير، وتسلّط المصارف. كلّها مكشوفة ومعروفة ومتكرّرة وموثّقة، ولا جديد فيها سوى أنّها منطوقة من بورجوازيّ صغير، ابن حزبٍ دافع بشراسةٍ عن ديكتاتورياتٍ وأنظمةٍ بائدة. بورجوازي له نظرياته في الاقتصاد والسياسة وأمثال جحا التي يبدو أنّها أمثولته ومنهجه. فكلّ نظريّاته تستند بشيء منها إلى المثل الشعبي، أداة الأراجوز المفضّلة جماهيريًا. نحن إذًا أمام خطابيٍّ من الدرجة الرابعة. حكواتيّ يكرّر مشهده. يُضحِك لمامًا ويُضجر كثيرًا.


الثورة منحت سليم سعادة، إذًا، طاقةً أخرجتْه من بساتين الكورة إلى كلّ لبنان. فاستلّ سلاحه الوحيد، وهو الثرثرة الاقتصاديّة على كلّ الطبقة التي هو في صلبها وجزء منها وصديق عميق لنوّابها ووزرائها، لا بل أجهزتها الداخلية والخارجية، ومستفيد من شبكتها.

أمام سرعة وصول هذه الثورة، لم يبتكر سعادة أدواته. أخرج عدّته القديمة. أدوات أمسكها بعناية خوفًا من أن تسقط رمادًا لاهترائها وماضويّتها. فهو أقلّ من خطيب وأكثر من جعجاع. ولولا هاتان الصفتان، لما استطاع أن يتحوّل إلى سوبر ستار قبّة البرلمان وأهزوجته على مواقع التواصل. جماهيرية الأراجوز تسبقه.

لولا هذه الثورة لما اكتشفه اللبنانيون. فهو على غرار سياسيين كثر، أشبه بمومياء لا فعل لها سوى زيارات المآتم والأفراح، من باب الوجاهة، في بلدته أميون التي يدمّر التلوّث زيتونها الأخضر.

الثورة اكتشفت سليم سعادة، والثورة لكمَتْه. لا ضير في دفع حساب مؤجَّل.