الشارع بين المقاومة والانهزام

في لحظة وضوح، أجد نفسي في الشارع، بين آلاف المتظاهرين والمتظاهرات، أقف بجسدي المثقل بالغضب. غضبٌ، لا يمكنني أن أهرب منه ولا أن أتصالح معه، غضب عارم يرافق الأزمات التي نعيشها يومياً. أصرخ وأشتم وأطالب بإسقاط النظام، بحكومته ومؤسّساته وإعلامه.

ردّدنا: نحن الثورة ونحن الناس، نحن الشارع بالأساس، ويللي بدو ثورة كلاس ما يطالب بالحرية.

في محاولاتنا البائسة لخلق عالمٍ أفضل، يحتوينا جميعاً، انتمينا إلى الشارع. تأمّلنا تحقيق ولو مطلباً محقّاً واحداً، يجعل واقعنا أقلّ عنفاً وتعقيداً. تجانسنا رغم اختلاف سياقاتنا. انتزعنا مساحتنا للاحتجاج، للمقاومة. تكاتفنا، فأدركنا أن أنظمتنا الوحشية تقوم على إنتاجها الدائم ليأسنا وقلقنا، وتسعى إلى إفقارنا وتجويعنا فصوّبنا غضبنا وحدّدنا وجهتنا.

للحظة، شعرنا أنّنا استطعنا تحرير الأماكن والفضاءات العامة.

كسرنا حواجز مزروعة منذ سنين. قلنا: «كسم الخوف». شكّلنا ثقة الشارع، مقابل «لا ثقة» بالسلطة الحاكمة. حاربنا من الساحات المفتوحة هياكل القمع المختلفة، بينما توارت السلطة الحاكمة خلف الأسوار والجدران.

لكنّ تلك اللحظة لم تدم طويلاً، إذ سرعان ما وجدنا، في لحظةٍ أخرى، أنّ ثقة الشارع تلك كانت منقوصة. 

فكان علينا أن نتصدّى، إلى جانب عنف الأجهزة الأمنية المباشر، لعنفٍ من نوعٍ آخر، أو ربما كان من النوع نفسه. هو ذاك العنف الناتج عن التحرّش واستباحة أجسادنا، أكان من قبل عناصر القوى الأمنية أو غيرهم. هو العنف الجسدي والجنسي الذي لاحق النساء حتى في اللحظات الأكثر ثوريةً. هو العنف المعنوي أيضاً…

أدركنا أن تلك القضايا «الصغيرة»، ترتبط بسياقٍ أوسع، وأنّها ليست «صغيرة» بالحقيقة. فواجهنا النظام الأبوي، القاتل. طالبنا بإسقاط العهد وأبوّته، تمسّكنا بجذريتنا ورفضنا المساومة على الحريات والعدالة الاجتماعية بكل معانيها: والعدالة الجندرية بدايةً، وصولاً إلى حقوق النساء المدنية والاقتصادية والسياسية.

أردنا أن نحرّر ذاكرتنا أيضاً – أن نحرّرها من الموروثات البالية. قلنا: «الشارع لنا، أجسادنا لنا، الحياة لنا». تهافتنا إلى فضاءٍ أُقصينا عنه بشكل ممنهج لعقود، وشعرنا بالأمان الجماعي، ولو للحظة.

لكنّ تلك اللحظة لم تدم طويلاً، إذ سرعان ما وجدنا، في لحظةٍ أخرى، أنّ الأمان الجماعي قد تحوّل الى تروما جماعية.

كان ذلك لحظةَ انفجرت المدينة فوق رؤوسنا، بشوارعها وبيوتها وناسها. ودخلنا دوّامة الانهيارات المتتالية، واستبدلنا مشاعر الانتماء بمشاعر العجز التام. عجزنا حتى عن الشعور بالغضب.

أفكّر بهشاشة واقعنا واغترابنا عنه، أفكّر بهشاشتنا، أفكّر أنّنا في قلب انهيارٍ يسحق الأكثر هشاشةً بيننا. كيف نتعامل مع الخيبات؟ مع الخسارات؟ كيف نتابع؟ كيف نسامح؟ كيف نثأر؟ الكثير الكثير من التساؤلات.

أحاول مواساة نفسي، أذكّرها أنّ ما تشعر به من خوف وقلق وعجز، ليس حالة فردية، ولا يمكن فهمه بمعزل عن بُعده السياسي. أعود إلى الغرافيتي والشعارات والهتافات المكتوبة على جدرانِ مدينةٍ منكوبة، أو ما بقيَ منها، لعلّها تزعزع شيئاً ما في داخلي. أحاول أن أستعيد حقّي في الغضب. أحاول أن أصرخ، لعلّي أسترجع ما سُلب مني.

أدرك جيداً أنّ النظام لا يكترث لكل تلك الصرخات والانهيارات. أدرك جيداً أنّه يتعمّد قتلنا، يحارب وجودنا وكياننا وأجسادنا، يفتّتها.

أمّا نحن، فنحاربه بحماية ومساندة بعضنا، وتمسّكنا بطَوق النجاة الجماعيّ، لأن معاناتنا الفردية جماعية، وهي بعمقها سياسية.

مــــــلــــــف
قلــق السيـاســة

يعاين ملفّ «قلق السياسة» تداخل عالم السياسة بعالم النفس، من خلال عدد من النصوص، ترسم معالم قلق جماعيّ.

أسئلةٌ لا ينبغي أن يطرحها الإنسان، طارق ابي سمرا
جدرانٌ تشفي، مارتين بجاني وهلا كرباج
الشارع بين المقاومة والانهزام، دارين أبو سعد
خوف من البشر واطمئنان للعملة: يوميّات من عالم ما قبل الانهيار، فادي بردويل
الانهيارُ على بُعد حائط، جنان نون
هذا ما جناه أبي (والنظام) عليّ، ريم منصور
ليس للصحراء هنا بداية ولا نهاية، فاطمة فؤاد
تناقضات الشخصية المتمرِّدة: قلق الجندر ومأزق الرجولة، مازن السيّد
أبي طريح فراش الموت: تحليل نفسي- نظري للطائفيّة، ناديا بو علي
رأس مال قلق، غالية السعداوي
عن بابٍ فتحتْه الانتفاضة ولم ندخله، سمير سكيني

تم نشر الملف في 10 نيسان 2021.


الشلل

دينامية تشبه دولابًا في قفص، يعدو فيه «الهامستر» حتى يصل إلى إعياء ناتج عن حركة دائرية تنطلق من نقطة لتعود إليها ذاتها دون أي تجديد

ميكانيزمات التأقلم: انتحارنا البطيء

سيقنعونكَ أيضاً أنّ كل هذه العادات السيّئة أفضل من عاداتٍ أسوأ منها. ولا بأس إن أكثرتَ من السكَّريّات، فهي أفضل من التدخين. ولا بأس إن أدمنت التدخين، فهو أفضل من الكحول. والكحول، مع أنّ كثيرَها مُضرّ، فهي أفضل من الحشيش، أو العكس (؟)