الشقّة

سلبوا منّي مدينتي، فأصبحت شقّتي هي مدينتي.

تغيّرت علاقتي مع شقّتي خلال السنة الأخيرة. منذ قدومي إلى بيروت، سكنت شققاً عديدة ما بين فرن الشباك، حيث كانت جامعتي، إلى البريستول، فتحويطة فرن الشباك، ثم مار مخايل، فزقاق البلاط، ثمّ في الحمرا. واليوم في تلة الخياط. بدّلت شققاً عديدة، تفوق العشر خلال العشرين سنة الأخيرة. قد يظهر ذلك مرهقاً، ولكن في الحقيقة، لم يكن كذلك. لم يزعجني الأمر كثيراً. وأحببت هذه الشقق، والأحياء المحيطة بها، وكانت لكل شقة تجاربها الجديدة.

لكن هنالك شيء تغيّر خلال السنة الأخيرة.

للصدفة ومع بداية الثورة، اضطررت للانتقال إلى شقة جديدة. لكنّها لم تكن جاهزة للسكن، إذ كانت مهجورة منذ زمن طويل. فانتقلت مع جميع أغراضي إلى شقة أخرى في المبنى ذاته، وكانت تلك الأخيرة أيضاً غير جاهزة للسكن، إذ تمّ تجهيز غرفة واحدة للنوم مع حمّامها. بقيتُ في هذه الغرفة من الشقة، مع أغراضي والكراتين لمدة شهرين. لم يكن ذلك مريحاً البتة، ولكنني كنت أمضي نهاري بالكامل في الشارع، وفي ساحات الثورة. لا بل كنت من الذين يقطعون الطرقات.

انتقلتُ إلى شقّتي الجديدة، وباتت الأغراض في العلب لأشهرإضافية، إذ كنت ما زلت في الشارع.

خلال تلك الفترة، أذكر جيداً إحساس إعادة استملاك المدينة. كنت أسير في معظم الأحيان من بيتي في تلة الخياط، وأمرّ بصديقة لي في الوتوات ونتابع السير حتى وسط البلد وساحاته. في هذه الفترة كنت أشعر وأنا أسير في شوارع بيروت، أن تلك الشوارع لي. ليس فقط الساحات، إنما كل الشوارع لي، والمدينة لي، وحيثما تطأ قدماي، لي. استعدت حقّ التسكّع في أرجاء المدينة. حتى الأماكن التي كنت أعود إليها من التظاهرات، كانت مختلفة، أصبحت جزءًا من المدينة، بعدما كانت تشكّل واحات انعزال ضمن المدينة.

وحصل ما حصل، وحلّ وباء كورونا بثقله على المدينة، وإنفجرت في 4 آب، ودخلنا جميعاً في زمن الانهيار.


خلال نصف السنة الأخير، ولأسباب عديدة يعود بعضها إلى ما قبل انفجار المدينة، وجدتُني أقضي أوقاتٍ طويلة في شقتي.

أفتح العلب المغلقة وأعيد ترتيب ما في داخلها، وأوزعها على أرجاء الشقة. يوماً بعد يوم، بدأ يتطور فعل الإهتمام بالبيت إلى الرغبة في شراء أثاث جديد. أخذت تلك المرحلة أشهراً، إذ زرت العديد من صالات العرض ولم أقتنع بشراء شيء. لكن خلال زياراتي هذه، تعرفت إلى نجارين وحدادين وصانعي أثاث. فبدأت مغامرة تصميم فرشي الخاص وتصنيعه مع عدّة حرفيين. ازدادت قيمة تلك الأشياء عندي لأنها من تصميمي. لكن أيضاً، أضاف الوقت الذي أمضيته خلال التصميم وبدء التنفيذ والمناقشات والمتابعة إلى لحظة وصول قطعة الأثاث إلى شقتي، بعداً آخر للعلاقة مع هذه الأشياء.

في المقابل، كان البلد مستمراً بالإنهيار، وأنا كنت أصمّم وأصنع المفروشات والأشياء لشقتي. أذكر جيداً أنني كنت أمازح أصدقائي، عندما كان الجميع يفكّر في البقاء في لبنان أو محاولة الهجرة، وأنا منهم، كنت أقول: صار عندي طاولة سفرة، ما فيني سافر.

ربما ما من عاقل يصرف وقتاً ومجهوداً ومالاً على شراء أثاث جديد لشقته المستأجرة فيما يشهد، لا بل يختبر، إنهيار البلد من حوله. لكنّني فعلت ذلك. في مرحلة ما، اعتقدت أن السبب قد يكون الكورونا والحجر، وحتمية تمضية وقت أطول داخل الشقة. وربما ساعد ذلك، ولكن مؤخراً أيقنت أنه ليس السبب.

السبب الحقيقي هو أنه، خلال السنوات العشرين الماضية، وحين سكنت شققاً عديدة، كانت هذه الشقق التي أستأجرها تلبّي حاجات السكن/ فقط. أما علاقتي بالإنتماء وبالتملّك، فكانت للمدينة. وأتت الثورة لتضاعف هذا الإحساس. في لحظة ما، سلبوا مني هذه المدينة وهذا الإحساس بتملّكها، فتراجعتُ إلى حدود شقتي.

شقتي التي كنت أعود إليها من المدينة لأنام، أصبحتْ هي مدينتي. وأصبحتُ عن مدينتي غريباً.

لم أجد يوماً بيروت جميلةً، ولكنني كنت أشعر أنني أنتمي إليها، وأنمو جسدياً ونفسياً وشعورياً في شوارعها ومقاهيها وحاناتها القليلة والبشعة. أما شقتي، فكانت مجرّد سقف وجدران لإعادة الشحن قبل الإنطلاق مجدداً إلى المدينة.

اليوم أشعر أنه لم يعد لي سوى شقتي هذه، وهي حتى في الحقيقة ليست لي، وإنما رهن عقد إيجار قد لا يُمدَّد بعد ثلاث سنوات.

طبعاً لعبت جريمة انفجار مدينة بيروت دوراً مهمّاً في هذا السلب، ولكنها أتت متممةً لسيرورة أطول، بدأت مع الانهيار.

وهو ليس بإنهيار أوحد، واضح المعالم، بل متعدّد ومعقّد في تركيبته وتجلياته. فهو إنهيار إقتصاديّ وماليّ وإنهيار في منظومة ومفاهيم الحوكمة والسياسة والأمن والقضاء… ويبقى الأقسى وقعاً هو إنهيار المعنى. لم يعد للأشياء معنىً. لم أعد قادراً على فهم أو إستيعاب معظم الأشياء. أصبحت المدينة خارجاً غريباً متوحشاً. وأصبح المعنى لا يتخطى حدود شقتي.

في طقوس الكنيسة الأرثوذكسية المشرقية، هناك ترتيلة في يوم الجمعة العظيمة، يخاطب يوسف فيها بيلاطس طالباً جسد المسيح، أستعير منها هذه الجملة: أعطني هذا الغريب لكي اواريه في لحد. هكذا أصرخ لكم عن مدينتي التي سلبتموها من أبنائها، فسلبتم منها الحياة. أعطوني هذا الغريب، مدينتي، لكي أواريها في لحد. لربما أعاود بناء علاقة مع المدينة الجديدة.

مــــــلــــــف
سجلّ الانهيار

يحاول ملف «سجل الانهيار» أن يلتقط معالم ومعيش حالة انهيارنا الحالية. كل أسبوع، كلمة أو ممارسة أو مكان أو عادة أو فكرة، يتناولها كاتب أو كاتبة، لكي يـ/تصف تحوّلاتها أو التغييرات بمعانيها. على مدار الأسابيع والنصوص، نطمح إلى بناء أرشيف مفتوح أو قاموس متعدّد الأصوات لحالة الانهيار، علّنا نجد فيه بعضًا من الثبات في تشارك التجارب والمعاني. الدعوة مفتوحة للمساهة في هذا الملف، من خلال اختيار كلمة (قد تكون ممارسة أو إحساس أو عادة أو مكان…) ومحاولة وصف مآلاتها بعد أكثر من سنة من التحوّلات.


رسالة من عواطف، إليك

أنا يا صديقي، ككثر في هذه البقعة، يصيبني القلق… وعندما يسيطر: أضحك. هل كنت تعرف أنّنا نضحك قلقاً؟ وهل تعرف أن القلق بالنسبة لعواطفنا هو كرجال الأمن بالنسبة للمتظاهرين؟ ما أن تحاول عواطف التعبير عن حضورها، حتى يكشّر القلق عن أنيابه بابتسامة أو حتى بنوبة من الضحك، تختفي العواطف قسراً

إيجار السكن

كان خياري الفردي أن أتوقّف عن البحث عن مسكن جديد، بل وأن ألغي الفكرة تمامًا، وفضّلتُ صعود ثمانية طوابق سيرًا على الأقدام مرّتين على الأقل يوميًا، من الاضطرار لبيع أحد أعضائي أو الانفصال عن العالم.