العام الذي صنعنا كـ«جيل»


Adulting

هذا هو المصطلح الذي أستعمله لأشير إلى أيّ حدث أو موقف أتعرّض له كلما أتقدّم بالسنّ وأصبح مضطرة للتعامل معه. فعندما نكون صغارًا، يحجب عنا أهلنا الأخبار السيئة من وفاة أو مرض. لكن مع مرور الوقت، يصبح من المستحيل حجب تلك الأخبار عن الأطفال الذين يكبرون. فالتعاطي مع تلك الأحداث جزء من تطوّر الحياة الطبيعي، جزء من معنى أن نكبر.

ولدتُ في العام 1992، أي بعد انتهاء الحرب. أنا لست من جيلها، «جيل الحرب». ورغم «الحروب الصغيرة» التي عشناها وأحداث العنف المتقطّعة، لا يصلح تسميتنا بـ«جيل الحرب» لأنّنا بقينا نسبيًا محميّين من آثارها علينا. فتربّينا على تنبيهات «جيل الحرب» من السياسة وضرورة تفاديها. وباستثناء البعض القليل منّا الذي انخرط بالسياسة، أكان بصفوف الأحزاب التقليدية أو الحركات الطلابية المستقلة، بقينا أقرب إلى جيل من اللامبالاة، كان له الإمكانية أن يعيش محميّاً من الكوارث التي تحيط به.


كلّ ذلك كان ينطبق على ما قبل ظهور الأزمة الاقتصادية في العلن. كان الانهيار المالي أول صدمة نتعرض لها كجيل. بدأنا نختبر معها شعورًا جديدًا، كنّا محميين منه في زمن اللامبالاة: القلق- Anxiety.

خرجنا فجأة من اللامبالاة وأصبحنا في مهبّ الريح وقلقه، غير قادرين على تخطيط مصروفنا لأبعد من بضعة أسابيع. ترافق الانهيار مع نزولنا الى الشارع. فكان السباق بين القلق والأمل. بقينا نتصارع بين هذين الشعورين، حتى جاء وباء الكورونا ليطيح بهذه المعادلة ويعيدنا إلى منزلنا، بعدما تحوّل إلى مكان للعمل (هذا لمن كان يمتلك امتياز العمل من المنزل). عدنا إلى المنزل الذي لم يمرّ على مغادرتنا إياه بضعة أشهر، وظهر هاجس جديد ليتيح بالقلق: الوسواس القهري- OCD

بدأت حفلات التعقيم والتنظيف اليومية والبحث عن الجرثومة. غلاء أسعار وأزمة في الخارج، تعقيم وتنظيف في الداخل، ومشاعر متضاربة، حتميّتها الوحيدة الأمراض النفسية التي ستنتج عن هذا الوباء وإجراءاته.

ثم جاء 4 آب، اليوم الذي جعل كلّ ما قبله بمثابة نزهة. فقدنا قدرتنا على الإحساس جراء الصدمة- Trauma. انكسر شيء ما فينا ولن نستطيع أن نصلحه. حاولنا أن نتعامل مع الصدمة، تحدّثنا عنها طويلًا. لكننا لن نستطيع أن نعود أبدًا إلى ما كنّا عليه.

فجأةً خرجنا، أو أُخرِجنا من فقاعاتنا ولم تعد اللامبالاة تحمينا. باتت المصطلحات التي درسناها كحالات نفسية فردية تنطبق علينا كجماعة.


تحوّلنا إلى جيل، إلى جيل جديد من الحرب، وإن كانت حربًا أخرى.

اليوم أصبح الـ«adulting» جزءًا لا يتجزأ مني. كنت أتهرّب منه في الماضي، كلما تسنح لي الفرصة. أما اليوم، فلا مهرب منه. أصبحنا راشدين. ربّما كنت سائرة على هذا الدرب جراء الحياة نفسها. لكن طريقنا إلى الرشد أخذ هذا الشكل، شكل العودة إلى التعاطي مع الحرب والعنف كالمعيار الوحيد للرشد.

يختلف شكل طريقنا عن طريق أهلنا الذين سبقونا ولو كانت النتيجة ذاتها. فالأحداث بتسارعها لم تسنح لهم بأن يجلسوا مع أنفسهم ويتعاطوا مع البعد السيكولوجي لما كان يحدث. كانوا مشغولين بالأولويات وبحياتهم اليومية ولم تأخذ المواضيع التي تعنى بالصحة النفسية الحيّز الذي تمتلكه الآن. لذا، فالأرجح أنّهم مرّوا بهذه المشاعر ولم يكن لديهم امتياز الاهتمام بالمصطلحات. فجيلهم عانى من القلق والوسواس القهري والصدمة، ولكنّهم تجاهلوا هذا من أجل الاستمرار. أما نحن اليوم، فنواجه الواقع كجيل «مكسور»، يدرك أنّه انكسر وعليه الاستمرار في ظل هذه الحقيقة. نواجه اليوم، إذا صحّ القول، الأسئلة نفسها، التي واجهتها الأجيال السابقة عن نقل أو عدم نقل هذه التروما واليأس إلى الجيل القادم، ربّما مع الفارق البسيط أنّنا بتنا ندرك تداخل السياسة مع حياتنا اليومية.

البارانويا أو الانتقام

ما في غير الانتقام من النظام معقول يصححنا من الخوف منّي خايفة بطلت الساعة 6:08 عم يرسم حدود مع العدو ما بقي غير كميونات الجيش رح غيّر حديث وما أخدولي بصماتي؟

لحظة الانتماء إلى الفقدان

أن أقاوم استعمال كلمة لبنان في الكتابة كرهتُ «حنينهم» إلى مرحلة ذهبية فالإصلاح يفترض الانتماء، وأنا لا أنتمي لهنا صار انتمائي هو لهذا الحدث بتنا جماعة محجورة ومفلسة ومنكوبة ولكنّ الثورة فضحتني