العزاء المستحيل والعدالة المعلّقة

شو عملنا؟ شو ذنبنا ليصير فينا هيك؟ يردّد أهالي ضحايا جريمة النظام الشاملة التي خطفت أرواح أحبّتهم. يعلمون جيّداً أنها أسئلة بلا أجوبة. فما ذنب الضحايا سوى وجودهم في محيط المرفأ المفخّخ؟ ما ذنبهم سوى أنّهم كانوا قيدَ الحياة؟

لم يهب الذين غادرونا حياتهم لقضيّة سامية، مقدّسة، مركزيّة… سمّوها ما شئتم. لم يموتوا ليحيا لبنان، لتحيا سوريا، لتحيا الأمّة العربيّة، لتحيا الثورة. لم يكونوا يوماً فدائيين أو مشاريع شهادة تتوق للالتحاق بقوافل الشهداء. لم يكونوا شيئاً من كلّ هذا. ولم يكن الموت الذي ذاقته بيروت قرباناً للآلهة. لا روايات ملحميّة تصوغ معاني نتمسّك بها لنعيد للعالم ملامحه بعدما سُلخت قبل أن يأتي المساء بقليل. ولا أساطير تأسيسيّة عن بناء الأوطان والحريّة القادمة لا محالة، تواسي أحبّاء الذين سُلبت أرواحهم غدراً أو دُفعوا إلى موتهم كما حصل مع أعضاء فوج الإطفاء.


مزّقت الجريمة الشاملة نسيج الحياة اليوميّة العاديّة. ذلك النسيج الذي يحاك بإيقاع الروتين الرتيب من عمل وقهوة وأهل ونوم وطبخ وجيران ولقاءات. ومن ثنايا ذلك التكرار اليومي التلقائي يولد العالم، وثقتنا به التي نستمّد منها إحساسنا بالدفء، بالوجود، باستمرارية الحياة. فنحن عامّةً لا نقوم بأعمال مثل تفقّد غرف نومنا كلّ يوم للتأكّد بأن السرير ما زال في مكانه. نعتبر ذلك وأموراً أخرى كثيرة من المسلّمات. لو لم نفعل ذلك لكان تشكيكنا الدائم باستمرارية العالم واستقراره قد استنزف طاقات نفسيّة هائلة جعلت حياتنا اليوميّة بالغة الصعوبة.

لقد صدّعت الجريمة كلّ ذلك. قلبت العالم رأساَ على عقب، كما في أفلام الرعب التي تبثّ الذعر بعد تحويلها المباغت لوداعة الحياة العاديّة وألفتها إلى مصدر هَوْل غير متوقّع. فجأةً تحوّلت البيوت من ملاذات حميمة، آمنة لأفراد وأسر إلى مقابر وأنقاض وخرب. من يستطيع أن يسترجع الشعور بالأمان في منزله بعد الجريمة؟ من يضمن ألا تتحوّل الشوارع وأماكن العمل والمستشفيات والمقاهي والسيّارات إلى أماكن قتل وتشويه مجدداً في بيروت أو مناطق أخرى؟


الفولكلور القومي الذي يردّده البعض، مثل جبران باسيل الوضيع، عن تضامن اللبنانيين وحبّهم للحياة وقدرتهم على القيامة من تحت الأنقاض لإعادة الإعمار، يغفل أنّ أبناء هذه الأرض الذين حُرقوا في 4 آب لم يكونوا فقط من المواطنين؛ ينطبق ذلك أيضاً على مَن تطوّع لإغاثة الأحياء المدمّرة والمساهمة في عمليّات الترميم.

أمّا استعارة تلك العبارات المستهلكة من معاجم الحروب الأهليّة والإقليميّة، فتطمس خصوصيّة الجريمة الشاملة التي يتحمّل باسيل جزءاً من المسؤولية السياسيّة عنها كأحد أركان نظام «السلم الأهلي» في السنوات الأخيرة.

كما يراد من ترداد كليشيهات حبّ الحياة نكران آثار تصدّع ثقة النفس باستقرار عالمها وديمومته بعدما شهدت ذوبانه بأقلّ من دقيقة. فما الرغبة بالهجرة المتزايدة غير حلّ شخصيّ لمعضلة فقدان الثقة بالقدرة على تأسيس عوالم وضمان استقرارها بالحدّ الأدنى في الأوطان.


خيط واحد يربط تفاهة نظام المحاصصة الذي يختلف حول تعيينات مأموري الأحراج، بإجرامه الذي يدمّر العاصمة فوق رؤوس سكّانها. خيطُ مرن، مطواع. يتكيّف مع كلّ شيء: الحروب الأهليّة والتدخّلات الخارجيّة والتسويات الداخليّة برعاية إقليميّة. كلّ شيء، إلّا رابطة المواطنة والمصلحة العامّة. وطالما لم نستطع قطع هذا الخيط، سنبقى نتأرجح بين عزاءٍ مستحيل وعدالةٍ معلّقة. حيوات مرجأة تنظر إلى نفسها في المرآة فترى مشاريع ضحايا حوادث عرضيّة مستقبليّة تحت إمرة حكومات وحدة وطنيّة.

بعد القنبلة، جاء العسكر

مجموعة الفئران في برلمان خفيّ والجيش دائمًا في الخدمة حكومات «الموت المشترك» وصور الرئيس القاتل يعيدنا إلى أيام الوصاية السورية، ولكن بنكهة «وطنية» رفض اعتبارها أمراً واقعاً

بعد عشرين عاماً: عسكر على مين؟

فهو الشارع الذي عرف الشهيد فرج الله حنين لا في مساعدة الأهالي بأعمال الإغاثة سألني إن كنتُ وراء تدوين تلك العبارات تبدو المشكلة نفسها مثلما صوّرها سمير بفرض فائض من القوّة الزائفة