الفريش دولار

لا تحلّ مصيبةٌ على مجتمع إلّا وينتفع بها البعض. قد ينجم هذا الانتفاع عن خطّة مدروسة، عن فعل مُتعمَّد:

تلك هي، مثلاً، حالُ مَن سوف يسعى إلى تملُّك عقارات كثيرة بأثمانٍ بخسة، بعد أن كان قد نقل أمواله إلى خارج لبنان قبل بدء الأزمة الماليّة الراهنة أو خلالها. وتلك هي أيضاً حال التاجر الذي يوضِّب سلعاً مدعومة في أكياس جديدة لبيعها بأسعار مُضاعفة.

لكنْ ثمّة مَن وجدوا أنفسهم يستفيدون مِن الأزمة على حين غرّة، ومن دون أن تكون لهم يد في ذلك، كأنّما الانتفاعُ نعمةٌ إلهيّة هبطت عليهم مِن السماء. تلك هي حال بعضٍ ممّن لديهم دخل بالدولار الأميركي. لسنا نشير هنا إلى الأثرياء، وإنّما إلى البعض القليل مِن أعضاء الطبقة الوسطى الذي ما زال يتقاضى راتباً أو أجراً – أو شطراً من أجرٍ أو راتبٍ – بما يُسمّى الدولار الطازج أو «الفريش»، فارتفعت قدرته الشرائيّة بنسبةٍ مُعتبَرة وبات يعيش في بلدٍ «رخيص».

يصعُب تحديد مِمّن تتألَّف هذه الفئة.

لكنْ يمكن القَول، على سبيل المثال لا الحصر، إنّها تضمّ بعضاً مِن موظّفي المنظّمات غير الحكوميّة (الأجنبيّة منها، كما المحليّة ذات التمويل الأجنبي)؛ ومِن موظّفي الشركات الأجنبيّة؛ ومِن العاملين في المؤسسات الصحافيّة والإعلاميّة ذات التمويل الأجنبي؛ ومِن العاملين المُستقلّين («فري لانسر»).

وهؤلاء، وربّما غيرهم أيضاً، لم يتأثَّروا بالإفقار الذي أصاب معظم سكان لبنان، لا بل حتّى أنّهم يعيشون هذا الإفقار معكوساً: فكلّما تدنّى سعرُ صرف الليرة اللبنانيّة (مع ما ينتج عن ذلك مِن تضخُّمٍ للأسعار واستفحالٍ للفقر) زادت قدرتُهم الشرائيّة.

ككثيرين مِن أبناء بلدهم، يهلعون في السوبرماركت إذ يبصرون الأسعار الباهظة، والتي لم تعد تعني شيئاً سوى أنّها باهظة. لكنْ على عكس أغلب أبناء بلدهم، فإنّ في جعبتهم حيلة هي أشبه بدواء مُسكِّنٍ عالي الفعاليّة: بادئ ذي بدء، يحوِّلون الأسعار ذهنيّاً إلى قيمتها بالدولار وفقاً لسعره في ما يُسمّى بالسوق السوداء، فيصلون إلى رقم لا يعني الكثير في الوهلة الأولى. لذا، عليهم تالياً أن يجهدوا لتذكِّر ما كان ثمن هذه السلعة أو تلك في ذاك الزمن الغابر، السابق لانهيار العملة الوطنيّة. قد تستغرق هذه العمليّة بعضاً من الوقت وتستهلك كثيراً من الطاقة الذهنيّة، ذلك أن الماضي الذي يسعون إلى استحضاره بات كأنّه ينتمي إلى القرن المنصرم. لكنّهم يتذكرون في نهاية المطاف، فيدركون أنّ كلّ ما يحويه السوبرماركت تقريباً قد أصبح الآن أرخص، وبنسبةٍ ليست في العموم بضئيلة. فإذ بلَذَّةٍ تُدغدغهم، يُكفِّرون عنها توّاً بالشعور بالذنب.

هذا هو السلاح الذي يشهره أهْلُ «الفريش دولار» في وجه الانهيار: احتساب كلّ شيء بالدولار.

هكذا، أصبح ما ينفقونه على خدمات مدعومةٍ بالكامل، مثل الإنترنت والإتصال الخلوي والكهرباء، لا شيء تقريباً، وكأنمّا الخدمات هذه صارت شبه مجانيّة بين ليلة وضحاها. هكذا أيضاً، باتوا يسترخصون فاتورة المقهى والمطعم والحانة، مع أنّها ارتفعت أضعافاً مُضاعفة. وبعضهم ممَّن كان دخله يُعتَبَر مُتواضعاً ما قبل الانهيار، أصبح يمكنه استئجار منزل في بلدةٍ جبليّة أو ساحليّة – لبضعة أسابيع أو بضعة أشهر، أو حتّى لعام. وبعضهم الآخر ممَّن كان راتبه لا يغطي أحياناً نفقاته الشهريّة، وجد نفسه يستطيع الادّخار.

لا شكّ في أنّ أهل «الفريش دولار» يشكّلون فئة غير متجانسة. تكفي للدلالة على ذلك الإشارةُ، مثلاً، إلى أنّ بعضهم ممّن لم يدّخر مالاً في المصارف لم يتكبَّد أيّ خسارة جرّاء الأزمة الراهنة، فيما بعضهم الآخر خسر أموالاً كان بذل لادِّخارها سنوات طويلة من الجهد والعمل. بالرغم من ذلك، هناك شيء يجمعهم غير ارتفاع قدرتهم الشرائيّة، شيء يُقرِّب بين أحوالهم المُتباينة: لقد نجوا من الكارثة – أقلّه حتّى الآن – لسبب اعتباطي، وهو بكل بساطة أنّهم يتقاضون أجراً أو راتباً بالدولار. فمِن بين أفرادٍ كانوا ينتمون سابقاً إلى شريحة اجتماعية – اقتصادية مُعيّنة من شرائح الطبقة الوسطى، ثمّة أكثرية أخذت تسقط نحو القعر، فيما أقليّة إما بقيت ثابتة في موقعها، أو ارتقت إلى موقع أعلى. والاعتباط في ذلك هو تحديداً أنّ الذين يستطيعون الوصول إلى العملة الأجنبية يعومون على الماء، أو يرتفعون قليلاً في الهواء، بينما يغرق الذين لا مدخول لديهم سوى بالعملة الوطنيّة.

إنّها حالةٌ عبثيّة، قد لا تُستنْبَط منها أيّ خلاصة. ولعلّ بعضاً مِن الناجين بفضل الدولار يشعرون بشيء مِن الخجل والذنب. مِن نافل القَوْل إنّ ذنبهم وخجلهم لا طائل منهما.

مــــــلــــــف
سجلّ الانهيار

يحاول ملف «سجل الانهيار» أن يلتقط معالم ومعيش حالة انهيارنا الحالية. كل أسبوع، كلمة أو ممارسة أو مكان أو عادة أو فكرة، يتناولها كاتب أو كاتبة، لكي يـ/تصف تحوّلاتها أو التغييرات بمعانيها. على مدار الأسابيع والنصوص، نطمح إلى بناء أرشيف مفتوح أو قاموس متعدّد الأصوات لحالة الانهيار، علّنا نجد فيه بعضًا من الثبات في تشارك التجارب والمعاني. الدعوة مفتوحة للمساهة في هذا الملف، من خلال اختيار كلمة (قد تكون ممارسة أو إحساس أو عادة أو مكان…) ومحاولة وصف مآلاتها بعد أكثر من سنة من التحوّلات.


رسالة من عواطف، إليك

أنا يا صديقي، ككثر في هذه البقعة، يصيبني القلق… وعندما يسيطر: أضحك. هل كنت تعرف أنّنا نضحك قلقاً؟ وهل تعرف أن القلق بالنسبة لعواطفنا هو كرجال الأمن بالنسبة للمتظاهرين؟ ما أن تحاول عواطف التعبير عن حضورها، حتى يكشّر القلق عن أنيابه بابتسامة أو حتى بنوبة من الضحك، تختفي العواطف قسراً

استوَيْنا

تركها الحجر وحدها معهمصراخ جارتيتصارع للحصول على نفقةفقر الدمّ أنهكهاتحمد الله أنّها ترضع طفلتهاها قد ناهزت السبعين وتريد الثأرتدّخر ما يأتيها من دولارات