الفيروس النائم في صدري

نحن أخوة في الألم. عدا ذلك، فإنّ كلّ شيء يفرّقنا.

فيسنا هلاواتشك

 

منذ تسعة أيّام أتعايش مع فيروس كوفيد 19. أنام خائفاً. أحاول ألّا أسقط في نومي وألّا أخسر أنفاسي المتقطّعة. أكظم السعال الذي يطلع من حلقي حادّاً وناشفاً. فقدتُ حاسّة الشمّ إلى اليوم، وفقدت حاسّة التذوُّق أيّاماً. تحمّلت الحرارة العالية التي لم تخفّف أدوية البراستامول إلا بعضاً منها، تنزل على جسمي فأتحسّسه مثل قطنةٍ هشّةٍ تذوي.

أستيقظ كلّ صباح محاولاً النظر إلى الحياة بأقلّ خوف مُمكن، مُكثِراً من مزاحي وسخريتي ومستعيناً ببعض أصدقائي. أتّصل بهم فأضحك ويُضحكونني. أتشارك معهم آلامي بخفّة مَن يحاول أن يتنكّر لها. لكنّ هذا الألم لم يكن على شدّته، سوى ساكن ثقيل يشاركنا مساحتنا الضيّقة التي تحوّلت من جنّتنا المنسيّة حيث لوحاتنا وكتبنا ونباتاتنا وألواننا المبهجة وموسيقانا الراقصة، إلى جحيمٍ وسوادٍ بقّعه الأرق والألم والخوف.

لم أنتبه لعوارض هذا الزائر الثقيل إلا بعد أربعة أيّام على وصوله. انتقل لي عبر عيني بعد شراء أغراض من السوبرماركت. شعرتُ في الأيّام الأولى بحكّة في عيني اليسرى. ظننتُ أنّ السبب هو الغبار والتلوّث. ومن بعدها شعرتُ بإنهاكٍ شديد وبحرارةٍ بدأت ترتفع.

فكّرتُ أنّ ممارستي تمارين الرياضة في الشقّة هي ما يسبّب لي آلام العضل الشديد والمتنقّل بين مفاصلي وعظامي (خصوصاً أنّني لم أكن أمارس الرياضة قبل الحجر)، والإنهاك الذي ألزمني فراشي ليومَيْن. ثمّ مع بدء ارتفاع حرارتي بشكل قياسي، تحوّلت شكوكي إلى خوفٍ صار يفترس عضلة قلبي التي راحت تنقبض على بعضها. ومنذ أن بدأت العوارض نفسها تنتقل إلى شريكي تيو، شعرت أنّ ما كنت أخافه وأتحدّث عنه بسخرية مع صديقتَيّ حنين ورشا عبر واتساب، كان قد وضع ظلاله كلها في حياتنا ومدّ أصابعه اللعينة إلى جسمينا وأقفاصنا الصدريّة.

بعد معاينة طبيبتنا واتصالات الفيديو المتكرّرة معها والفحوص، اضطررنا للتعامل بجدية مع حقيقة وجود هذا الفيروس في حياتنا، غير مُصدِّقين أنّ مرحنا اختفى على غفلةٍ منّا. بتنا ننظر إلى هذا الثقل يفرد جسمه ويتمطّى بيننا وبين أغراضنا ويومياتنا.

الأدوية التي وُصِفت لنا لم تتعدَّ البراستامول ودواءً للسعال وكبسولات من فيتامين دي 3، إضافةً لبعض الكريمات كوننا أصِبنا بنوبات قلق شديدة فظهرت على جلدنا علامات حمراء وحكّة شديدة.

لحسن حظّنا أنّنا نستهلك الفواكه والخضار كثيراً ونأخذ يومياً مكمّلات غذائية تحتوي على الفيتامينات والأملاح المعدنية. استعنّا بنظام غذائي صحّي مُكثِرين من السوائل الحارّة والتي تحتوي على خضار مسلوق أو مُعَدّ على البخار. توقّفنا عن تناول الكحول، وأوقفنا السجائر وصرنا نشرب ليترَيْن ونصف من الماء لكلّ واحدٍ منّا. وكان الحامض والزنجبيل يرافق أكواب الأعشاب المغلية. نأكل وننام ونريح جسمَيْنا. بقينا قرب بعضنا. نمسّد أيدينا ونخفّف عن بعضنا بعضاً الألم والقلق ونمارس الميديتيشن ونستمع إلى مقاطع حول تمارين التنفّس وترويض القلق والفزع. حتى بدأت العوارض تخفّ.

انتهت مرحلة الألم، لكنّ الخوف لم ينتهِ.

لأنّ الفيروس يحتاج الى انقضاء 14 يوماً في الجسم كي يُقتَل. هو لم يهزمنا لأنّنا تعاملنا معه، رغم خوفنا، بحزم ومن دون هلع بلا طائل. عدنا إلى حياتنا، نقرأ ونُعِدّ أطباقنا الشهية، بانتظار أن ينتهي هذا الكابوس في العالم كلّه، كي نشرب أنخاب الحياة التي لن يقتل مباهجَها فيروس لعين.

وحتّى ذلك الحين، التزموا منازلكم، فالحياة أقصر من أن نعيشها في القلق.