الكفالة

في بلدٍ يقوم على الانهيارات الاقتصادية والاجتماعية والصحية، لا يكفي استغلال العاملات المهاجرات لكونهنّ عاملات فحسب. بل يجب كذلك تحميلهنّ كافّة تبِعات الأزمة، لكونهنّ الفئات الأكثر هشاشةً، وذلك عبر الإذلال والابتزاز، وعبر ممارساتٍ إقصائية، إقصائية لحدّ الموت.
 
معظم تلك العاملات، أتينَ إلى لبنان بعد سماع رواياتٍ عن الفردَوس الضائع وعن حفنة دولارات ستمكنهنّ من بناء حياةٍ مستقلّة مستقرّة يوم عودتهنّ إلى بلادهنّ.

لم يخطر لهنّ قطّ، قبل هبوط الطائرة ههنا، أنّ الجحيم سيرحّب بهنّ. لم يخطر لهنّ قطّ، ربطاً بانهيار سعر الصرف، أنّ حفنة الدولارات هذه ستصبح مادّة ابتزاز، ثمّ تتحوّل إلى حفنة «لولارات» يقبضنَها «على الألف وخمسة» (بعد تخفيض الراتب)، ليُحرَمن في الختام من تحويلها إلى بلادهنّ.

سرعان ما ينسحب هذا الابتزاز من الميدان الاقتصادي، إلى الميدان الاجتماعي، إلى الميدان النفسي.

كل ذلك ببَركة ما يُعرف باسم «نظام الكفالة»، أو اللفظ المُلَطّف لـ«العبودية الحديثة»، وهو نظام قاتل حرفياً: تنتحر عاملتان منزليّتان كل أسبوع في لبنان، ما يعني حوالي 9 عاملات شهرياً، أي مئة وأربع عاملات سنويّاً.


يعيش في لبنان ما يقارب الـ 250.000 عاملة مهاجرة، جميعهنّ مستثنيات من قانون العمل اللبناني، وخاضعات لنظام الكفالة. ويعزّز هذا النظام العرفي الاختلال القائم في توازن القوى بين العاملة والكفيل، لكونه الطرف الأقوى بالمعادلة، الأمر الذي يزوّده بسلطةٍ «مُقَوننة» وامتيازات إضافية تساعده في تهميش الطرف الآخر، وصولاً إلى إفلاته من العقاب والمحاسبة يومَ تقع الواقعة… وتُطمَس فيما بعد تحت عنوان «الممارسات الفردية».

بالمناسبة، طرحت وزيرة العمل في أيلول 2020 عقد العمل الموحّد، والذي من شأنه الحدّ من تبعات نظام الكفالة وتكريس حقوق للعاملات المهاجرات. لم ينل إعجاب مجلس شورى الدولة. فقرّر إبطاله، بحجّة أنّه يلحق ضرراً بالغاً بقطاع استقدام العاملات (يُقصَد هنا قطاع المافيات والزبائنيّة والسوق السوداء وسوق المتاجرة بالبشر).

وفي شباط الفائت، صدر قرار عن الأمن العام بقبول استدعاءات من أرباب العمل بصيغة «ترك مكان العمل» بشأن العمّال الأجانب في حال تركوا مكان العمل، عوضاً عن شكاوى الفرار الجزائية. كما حظرت المديرية استعمال تعابير مثل «فرار» أو «هروب» لِكونها مخالفة للقوانين أو لحقوق الإنسان.

 
إذاً، هذا هو الموقف الرسميّ المهيمن: خطوات تُجهَض قبل أن تبصر النور، أو خطوات يُعمَل بها، لكنها إمّا أن تأتي منقوصة وإمّا أن تكون جزئية للغاية.

ونظام الكفالة يستمرّ.


فوق كل ما ذُكر، أتت الكورونا وما نتج عنها من انعكاسات وإجراءات لتزيد من تهميش العاملات، علماً أنّ عزلتهنّ القسريّة وحجرهنّ المنزلي ليس بجديد، بل هو نمط الحياة الروتيني الذي فُرضَ عليهنّ حتى منذ ما قبل زمن الكورونا. أضف إلى ذلك عزل العاملات المهاجرات عن خطة البرنامج الوطني للتلقيح.

إذاً، هذا جديد العاملات في سياق الانهيار. هل لنا أن نذكّر بمعاناتهنّ المزمنة؟ تحرّش، فوقيّة وعنصريّة، ذكوريّة وقِحة، انتهاكات تصل إلى حد الاتجار بالبشر، عنف يصل إلى حد القتل، استغلال مستفحل يصل الى حد العمل القسري، وأصحاب منازل قد يتمادون إلى حدّ «التخلّص منها».

وبالفعل، مع اشتداد الأزمة، «رُميَت» عدّة عاملات أمام قنصلية بلادهنّ، متروكات للمجهول، إلى أن أتى الدعم من زميلاتهنّ، ونُظّمَت اعتصامات واحتجاجات أمام القنصليات للمطالبة بالحماية والإجلاء الفوري، كان أشهرها الاعتصام أمام القنصلية الكينية في بدارو آب الفائت.

هكذا إذاً، تبني العاملات المهاجرات بأنفسهنّ ولأنفسهنّ شبكات الأمان، ويواصلنَ مقاومتهنّ الفردية، كما الجماعية، لكل أشكال القمع الممنهج. وتحت وطأة نظام جائر كنظام الكفالة، لا حماية ولا عدالة لهنّ، وبالتأكيد لا قيمة لإصلاحه أو حتّى تعديله. الحل واضح: إلغاء نظام الكفالة، وإدراج جميع العمال والعاملات تحت قانون العمل اللبناني (رغم مساوئه).

مــــــلــــــف
سجلّ الانهيار

يحاول ملف «سجل الانهيار» أن يلتقط معالم ومعيش حالة انهيارنا الحالية. كل أسبوع، كلمة أو ممارسة أو مكان أو عادة أو فكرة، يتناولها كاتب أو كاتبة، لكي يـ/تصف تحوّلاتها أو التغييرات بمعانيها. على مدار الأسابيع والنصوص، نطمح إلى بناء أرشيف مفتوح أو قاموس متعدّد الأصوات لحالة الانهيار، علّنا نجد فيه بعضًا من الثبات في تشارك التجارب والمعاني. الدعوة مفتوحة للمساهة في هذا الملف، من خلال اختيار كلمة (قد تكون ممارسة أو إحساس أو عادة أو مكان…) ومحاولة وصف مآلاتها بعد أكثر من سنة من التحوّلات.


تمارين في الحفاظ على العلاقات

ثم أتى اقتراحٌ، يقول بأن نؤجّل كل العلاقات إلى ما بعد الانهيار. هاك، جدّياً، هكذا أفضل لكلَينا. غير أنّ صديقاً لي أخبرني أنّنا بحاجة كحدٍّ أدنى لسبع سنوات بعد الانهيار كَي نتعافى، كَي تنتظم دورة الاقتصاد - هذا إن تصرَّف الحكّام بنيّةٍ حسنة. حسناً، فلننجز حساباتنا: حينها، سنكون قد أصبحنا في مطلع الثلاثين.

Powerbank

نبحث كل يوم عن حل سريع وفعّال وبأي سعر. وجدنا حلاً للكهرباء بالموّلد الكهربائي الخاص حتى تعب المولّد أيضاً فاشترينا الـPowerbank أو بنك الطاقة الذي يسمح لنا بشحن هواتفنا الجوّالة لعله يبقى لدينا بعض من الإرسال لنرسل وصايانا لأحبائنا في الخارج ونقول لهم