المدينة المندسّة

لتحديد المسؤوليات في استخدام الرصاص الحيّ والعنف المفرط

—بيان صادر عن نخبة من مجتمع طرابلس

إحراق البلدية عمل مندسّ وتصرّف مشبوه

—نهلة الشهال، أكاديمية طرابلسية

المدينة المندسّة لا تنام.
هناك من يحرّكها ويقولب أجسادها المتفجرة والغاضبة.
هناك فقر اندس عميقاً في أرواح منسيّيها ومهمَّشييها، فأحرقوا مبانيها.
هناك تهميش سياسي واجتماعي وإنمائي، اندسّ في طبقات حياتهم منذ عشرات السنوات، فصاروا تحت جلد المدينة. هناك طبقية عفنة حزّت سكاكينها في قلوبهم وقلوب أطفالهم، فخرجوا من خلف الأسوار الوهمية.

لا مدينة اليوم سوى داخلها. أي من جاء من خلف حدود التل، أي خلف شوارع عز الدين والعجم وساحة الكورة. كلّ كلام يأتينا من حدود بولفار فؤاد شهاب، هو كلام لأناس عندهم امتيازات. كلام رجال بكرافاتات وشهادات عالية ونخب تمجّ لغويات لا تنتمي الى هذه اللحظة المحترقة في تاريخ المدينة. هؤلاء حتى لو حُبست أموالهم وحتى لو شعروا بالضيق، لكنهم لن يجوعوا يوماً. لم يعرفوا معنى الجوع، ومعنى اتهامهم بأنهم جهلة ورعاع ومتخلفون وخوارج وقتلة ومندسون ودمى بأيدي الآخرين.
هؤلاء لن يستووا يوماً بالذين أحرقهم الذلّ والشقاء والجوع، فأحرقوا مبنى بإمكاننا إعادة صياغته شكلاً ومضموناً. رأيناهم شبه عراة على شاشات التلفزة أو خاضعين لملالات الجيش وفرط عنفها، يفرّون بأجسادهم المتفجرة، بينما يتفرّج أبناء النخب والأكاديميا والسياسيين والمصرفيين والتجار وموظفي الفئة الأولى، بأمعاء لم تجع بعد، وبامتيازات حصّلوها من المنظومة التي لا يريدون إحراقها، بل محاورتها. كأنه لم يعد يكفي الموت الذي تصدره هذه السلطة ولا التفجير الذي تدبره، بل علينا أن نشكرها على قتلنا بالرصاص الحي.

المدينة المندسّة لا تنام، لأنّ قتلى سقطوا برصاص أمنيين ورجال سلطة ورجال أعمال ومصرفيين. الرصاص الذي نخر جسم عمر طيبا هو رصاص أطلقه ميقاتي والصفدي والجسر وكبارة وعون وبري والحريري ورياض سلامة، وأناب عنهم العسكر وعسس المخابرات وقوى القتل الأمنية، في ساحات المدينة التي جاعت وهُمِّشت. ليس الجوع وحده ما يحرّك ظلم الناس، بل شعورهم بأنهم تُركوا وأن لا صوت لهم سوى الحريق. وهو غضب مزمن، تعاني منه المدينة منذ عشرات السنين، فلم تعرف مشروعاً إنمائياً ولا تأهيلاً لشوارعها ومبانيها التراثية ولا لمدارسها الرسمية، ولم تشغل مرافقها التي وُزِّعت وظائفها الوهمية على ساستها. هؤلاء المندسون بشعور اللاعدالة، أخرجوا آخر ما فيهم، هذه النار المتقدة في أجسامهم. لأن الإعلام ضدهم، ويحاكمهم إن بحثوا عن لقمة واحدة لأطفالهم الذين يُقتلون تحت سقوف شبه منهارة وشقق عاث بها العفن.

المدينة المندسّة لا تنام، وهناك خطاب أهلي يحدّثنا عن ضرورة نقاش وحوار مع سلطة القتل. سلطة محمد فهمي، ذراع الوصاية السورية، يومها، حين كانت طرابلس تحت نيرانها وحديدها وظلم ضباطها وعساكرها. خطاب نقرأ في بيان بعض نخبته والذين نعرفهم، ونتفهم مخاوفهم، لكنهم وقعوا في فخ السلطة. لا بل قدّموا لها هدية مجانية بأن هادنوها، وطالبوا بإقالة موظف، بدلاً من لغة عالية الصوت واللهجة للوقوف مع ناس المدينة. كأن خطابهم خرج من جمعية كشفية. هذا الخطاب لا يُضمر سوى لغة هشّة وميتة، لا بل تعطي للسياسيين الطرابلسيين (الذين لم يُذكَروا ولو مرة بالبيان)، مزيداً من الوقت، ومزيداً من الفرص ليعيثوا خراباً في المدينة وبأرواح أجسادها المتفجرة، برعاية العهد العونيّ الخبيث.

المدينة المندسّة لا تنام، ونسمع الباحثة الطرابلسية نهلة الشهال، التي يقدَّر صوتها لدى نخبة عربية واسعة ولها مكانتها الأكاديمية، بأن هؤلاء المندسّين على الدولة أن تحبسهم. تتحدّث الشهال بقوة السلطة والعنف، سلطة النخبة التي تبرر القتل باسم الأهلية والشعور بالتفوق، على أفراد ومجموعات هدّها الظلم وهدّتها المنظومة الفاسدة، وضيّقت عليها الخناق، وقتلت شبابها.

المدينة المندسّة لا تنام، لا خطر منها بل عليها، من خطاب العنف الذي يعلّمها بأبوية كيف عليها أن تصرّف خوفها وقلقها وغضبها، ورصاص سلطة قتلت أهل بيروت بالأمونيوم، وميليشيات مصرفيين وحيتان مال تصارع من أجل بقائها، وطبقة وسطى تمجّ لغة لا ماء فيها بل دم.