المصارف في لحظة انتصارها

لا يوجد تجسيد لواقع المصارف الظافر أفضل من المشهديّة التي قدّمها رئيس جمعية تجّار بيروت والشريك في سيدروس بنك نقولا شمّاس في مقابلته الأخيرة في برنامج «صار الوقت». نبرة شماس الفوقيّة والشرسة في مواجهة وزير المال، واندفاعه في إطلاق شعارات المواجهة في وجه الخطة الحكوميّة السابقة، وصورة الوزير المنكفئ والمتردّد في الدفاع عن الخطّة التي عمل عليها مستشاروه مع شركة لازارد، كلّها كانت مؤشّرات كافية لنعرف أن المصارف باتت في موقع المبادر، لا بل الظافر الذي يسعى للإجهاز على آخر ما تبقّى من جيوب صغيرة قادرة على مقاومته.

تغيّر المشهد إذاً، بعد أشهر من التزام جمعية المصارف ورموزها خطاباً دفاعياً تبريريّاً. تقاطعت كثير من العوامل والظروف لتنتج هذا المشهد: من التفاف جميع الكتل النيابيّة حول أولويّات المصارف في المجلس النيابي، إلى ضعف وانتهازيّة الحكومة وتنصُّلها من خطّتها ومقارباتها التي أزعجت المصارف، وصولاً إلى استسلام واستقالة بعض المستشارين الذي عملوا على الخطّة وتحمّسوا لها.

لكن بمعزل عن الأسباب، تبقى النتيجة واحدة: بات بإمكان جمعيّة المصارف ابتزاز جميع اللبنانيّين في عزّ الكارثة الاقتصاديّة، ببيانات تلوّح بمقاطعة المفاوضات مع الحكومة اللبنانيّة، مع كلّ ما يعنيه ذلك من تجميد لأي خطّة معالجة محتملة. وأصبح بإمكان شمّاس في مقابلته نفسها أن يشهر سيفه في مواجهة لازارد، معتبراً الشركة أخطر من كورونا على البلاد، ومشبّهاً خطّتها باتّفاق القاهرة الشهير. علماً أنّ الهجوم على لازارد كان حديث الساعة طوال الأيام الماضية، من خلال التسريبات الإعلاميّة التي تحدّثت عن إصرار الشركة على استهداف ودائع اللبنانيين والاقتصاص منها.

يأتي اليوم هجوم المصارف المستجدّ، ومن موقع المبادرة والقوّة، كخطوة مدروسة لتمكينها من وضع اليد على ساحة المعالجات الماليّة من ناحتين:

أوّلاً، فرض المعالجات الأكثر تلاؤماً مع مصالح المصارف، بعدما نجحت في إسقاط المقاربات التي تهدّد مصالحها.
فقد أشهرت المصارف ورقة مقاطعة جلسات المفاوضات، رغم سقوط غالبيّة المقاربات الحكوميّة السابقة التي أزعجتها. أمّا ما تحاول المصارف فرضه اليوم، فهو الآليّة التي سيتمّ من خلالها تخصيص أصول الدولة لسداد الخسائر من خلال إنشاء ما سمّي «الصندوق السيادي». وبات السجال يتعلّق بسيناريوهات تفصيليّة، من قبيل وضع الصندوق بعهدة المصرف المركزي كضمانة للدائنين أو خصخصة الأصول بشكل مباشر لسداد الالتزامات.

وقد أعطت جمعيّة المصارف رئيس الحكومة الكثير من الإشارات لوجود تفاهم بينها وبين الكتل النيابيّة حول هذه النقاط، وهو ما يُفترض أن يشكّل عامل ضاغط لدفع رئيس الحكومة إلى التنازل خلال الفترة المقبلة، تماماً كما تنازل عن خطّته في وجه هجمة لجنة تقصّي الحقائق البرلمانيّة.

ثانياً، التخلّص وبشكل نهائي من دور شركة لازارد في مقاربة الخسائر واقتراح الحلول.
لقد غادرت شركة لازارد العاصمة اللبنانيّة بعد انتهاء جلسات المفاوضات، وبات من الواضح أنّ الشركة لم تعد مهتمّة بالاستماتة للدفاع عن الخطّة التي تنازلت عنها الحكومة. فالشركة تعتبر أنّها قامت بالجزء المطلوب منها في العقد مع الدولة بمجرّد إنجاز الخطّة.

هكذا، وبعد نجاح المصارف في خلق جوّ سياسي مؤاتٍ لفكرة التخلّص من دور لازارد في المفاوضات، من المرجّح أن يتمّ تقليص دور الشركة في مسار صياغة المعالجات في الفترة المقبلة إلى أقصى حدود.

يعيدنا كلّ ذلك إلى النقطة الأساسيّة: عادت المصارف إلى موقع المسيطر في معادلة التعامل مع آثار الانهيار. وليس آخر السجالات والمناورات إلا الدليل على اتّجاه المصارف– ومن موقع هجوميّ هذه المرّة- لتكريس سيطرتها بشكل مطلق.

المصرف

تحوّلت من معابد لعقلنة اقتصادية، إلى عصابة من اللصوص غير الكفوئين. لم تكفِهم الأرباح التي جنوها بالماضي، كما لم تكفِ الودائع لإرضاء جشعهم غير المحدود. فأصبح أي تفاعل مع مصرف هو عملية سرقة، يحاول صاحبه نتش ما يمكن شفطه من عمولات

الجمهوريّة الزومبي

البنوك الزومبيالخسائر غير القابلة للإستيعابتمتص من المال العامطبع النقدلا هي قادرة على الإقتراضقيمة الأجور وهي تتهاوى