المعركة هناك… داخل الغرف المعتمة لمصرف لبنان

ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بصور وفيديوهات يوميّة تُظهر أشكالاً مختلفة من الاحتجاج على إجراءات المصارف اللبنانيّة بحقّ مودعيها. فقد تفجّر الغضب داخل فروع المصارف أو أمامها، بوصفها نقطة الاحتكاك الأساسيّة بين المواطنين والنظام المالي، فيما تركّز مضمون هذه الحالات الاحتجاجيّة على المطالبة بأموال المودعين التي احتجزتها المصارف.

هذا التظاهر داخل الفروع المصرفيّة للمطالبة بالودائع، على أهميته، لن يكفي لتغيير مجرى الأمور. فالمصارف، ببساطة، لا تملك المال الذي يطلبه المودعون. فبينما يترتّب على المصارف اللبنانيّة حوالي 133.4 مليار دولار من الالتزامات بالعملات الصعبة (ومن بينها الودائع)، تشير الحسابات إلى أنّ ما يقارب 73.9 مليار دولار منها قد تمّ توظيفه في سندات اليوروبوند أو مصرف لبنان، وهي أموال لا توجد طريقة لاستعادتها في الفترة المقبلة. كما أنّ حوالي 37.8 ملياراً أخرى من أموال المصارف بالعملة الصعبة تمّ تسليفها للقطاع الخاص، لكنّ جزءاً كبيراً من هذه القروض يتمّ سداده اليوم بالليرة اللبنانيّة، فيما ترتفع نسب التعثّر في الجزء الآخر. ليست المعركةُ إذاً معركةَ مطالبةٍ بحقوق محتجزة داخل النظام المصرفي، بل معركة توزيع خسائر، وتحديد الفئات التي ستتحمل ثمن هذا الإنهيار.

طبعاً، تبدو ردود فعل المودعين داخل فروع المصارف منطقيّةً ومبرّرة أكثر من أي وقت مضى، لا بل تستدعي التضامن والتكاتف من قبل الجميع. لكنّ الأكيد أيضاً، أنّ حالات الغضب العفويّة والصاخبة هذه لن تنتج شيئاً وحدها، طالما أنّها ما زالت بعيدةً عن التفاعل مع القرارات النقديّة والماليّة الحساسّة التي يتمّ اتّخاذها الآن بسلاسة بعيداً من الأضواء، والتي تحدد فعليّاً الفئات التي ستتحمّل الخسارة مع الانهيار القائم. بمعنى آخر، الضغط العفوي في الفروع مفيد للتعبير عن السخط الشعبي، لكنّه لن يجدي دون الضغط – وبشكل موازٍ- باتّجاه أولويّات محدّدة على مستوى القرارات الرسميّة التي تُتّخذ كل يوم.


بعيداً من الأضواء، قدّم سلامة الأسبوع الماضي عروضاً للمصارف بإجراء تبادل بين سندات اليوروبوند التي تحملها المصارف والتي ستستحقّ خلال هذا العام، بسنداتٍ أخرى يملكها وهي ذات فوائد أعلى وآجال أطول. والغاية من ذلك هي ضمان استمرار الدولة في إيفاء خدمة الدين لمصلحة المصارف على المدى الطويل، وبكلفةٍ أعلى تحمي أرباحها، وإبعاد «شبح» التفاوض على ما سيستحق من الدين العام وخدمته.

بالتأكيد كان يمكن التفكير بسيناريوهات بديلة مثل إعادة هيكلة وجدولة الدين بشكل واقعيّ ومدروس بعد التفاوض عليه، وحماية ذوي الدخل المحدود من صغار المودعين عبر تحييدهم من أي إجراء يمكن أن يطال قيمة ودائعهم أو حريّة سحبها. لكن أولويّات السياسة النقديّة كانت للأسف في الجهة المقابلة تماماً: تحميل عموم اللبنانيّين وزر الإجراءات المصرفيّة التعسّفيّة، وحماية مصالح وأرباح النافذين من أصحاب المصارف وكبار المودعين القادرين على التملّص من إجراءات حبس السيولة.

بعيداً من الأضواء أيضاً، يتم التداول في سيناريوهات أكثر كارثيّة، من قبيل حصر التعامل بالليرة في صناديق المصارف. وهو ما يعني عجز المودعين عن سحب أموالهم بالدولار، واضطرارهم إلى سحبها بالليرة وفقاً لسعر الصرف الرسمي. النتيجة هنا طبعاً عمليّة «هير كات» جماعي لأموال اللبنانيين في المصارف، دون تمييز لجهة نوع وحجم الحسابات.


يجري كلّ ذلك في ظلّ تعتيم تامّ على كل المداولات الرسميّة المتعلّقة بالشأن النقدي والمصرفي، لإبعادها عن دائرة الضغط الشعبي. وما دامت حالات الغضب محصورةً في فروع المصارف وبشعارات عامّة، بعيداً من الاهتمام بما يجري داخل مصرف لبنان من معالجات وقرارات، وبعيداً من ترجمة الغضب بأجندة ماليّة سياسيّة تحمل أولويّات واضحة، من المستبعد أن تنجح تلك الضغوط في تحقيق إنجازات على مستوى حماية محدودي الدخل من هذا الانهيار.

لعلّ أشهرَ الصور التي انتشرت أخيراً، كانت لرجل دخل المصرف شاهراً فأسه في وجه الجميع. بإمكان جميع المودعين أن يدخلوا المصارف شاهرين فؤوسهم، لكنّهم لن يحصّلوا من ودائعهم إلا الفتات. ذلك أنّ من «هندس» توزيع خيرات النظام المالي حدّد لنا حصّةً أسبوعيّةً من النقد نتقاسمها جميعاً. الأجدى أن ندرك جميعاً أنّ المعركة هناك!

عصا المصارف

حدّاً أقصى للفوائد بقيود غير رسميّة دفع هذه الفوائد السخيّة جذب السيولة من الخارج ضبط السيولة بشكل مشوّه إعادة هيكلة الدين العام حماية أرباح المصارف والانهيار أصبح واقعاً

باريس مرّةً أخرى؟

اجتماع يُعقَد في باريسوقدرة الدولة على دفع مستحقاتهااقتصاد ريعيّ قائم على استقطاب الدولاراتبإعادة هيكلة الدين العاملا تعتمد التقشُّفانعدام ثقة المودعين بالمصارفأخذت المودعين رهائنوتعميق الانكماش الاقتصاديشراء الوقت