النظام اللبناني في عالمه الموازي

أسبوع مرّ على نكبة بيروت الكبيرة. وحتّى اللحظة، لم يبادر النظام إلى كشف أيّ لغز من الألغاز الكثيرة التي أحاطت بالشحنة المميتة، وخصوصاً تلك التي ترتبط بالجهة المحليّة التي أرادت الاستفادة منها وعلاقتها بالمسؤولين في المرفأ والدولة. أمّا التوقيفات التي جرت حتى الآن، فتبدو أقرب إلى رفع العتب، إذ اقتصرت على بعض المسؤولين البديهيّين عن عمليّات المرفأ، دون أن يظهر أنّ التحقيقات توسّعت لتشمل فعلاً ما هو أبعد من ذلك. أمّا على مستوى الأحياء المتضرّرة، فيبدو أنّ الدولة اختارت أيضاً أن تخلي الساحة تماماً، لتتركها لمجموعة من المبادرات الأهليّة.

لكن إلى جانب تجاهل الفاجعة وتداعياتها ومسألة التحقيق فيها، كان أركان النظام السياسي في لبنان يُكملون حياتهم في عالمهم الموازي، وكأنّ المصيبة لم تقع:

حسّان دياب

أشهر رئيس الحكومة السابق شعار الانتخابات المبكرة قبيل استقالته، بعدما أدرك أنْ أولياء أمر حكومته قد أعلنوا انتهاء صلاحياتها. لكنّ طرح الانتخابات المبكرة لم يكن سوى محاولة من رئيس الحكومة لتأمين انسحاب بطوليّ من المشهد، عبر الإيحاء بأنّ استقالته جاءت نتيجة رفض الأحزاب للمطلب الشعبي الذي تبنّاه. مع العلم أن دياب لم يحدّد في خطاب استقالته مسؤولاً واحداً من المنظومة التي اتّهمها بعرقلة عمله.

نبيه برّي

في المقلب الآخر، أدرك برّي المحنّك في هذا النوع من المناورات توجّه رئيس الحكومة، فاستبق خطوة دياب بالإعلان عن جلسة نيابيّة لمساءلة الحكومة، على أن يلي الجلسة نزع الثقة عن الحكومة نفسها. كان يدرك برّي أنّ دياب سيستبق الجلسة ونزع الثقة بالاستقالة طبعاً، لكنّه أراد من خطوته تلك إظهار دياب بصورة المنسحب تحت وطأة محاسبة المجلس النيابي، بدل أن يخرج بصورة البطل على حساب أحزاب النظام.

العهد

كان تيّار العهد منشغلاً في الأيام الأخيرة باستباق التحقيق وتحصين نفسه، عبر حماية أزلامه في الدولة. بعد ساعات من الكارثة، تحدّث تلفزيون العهد مع بدري ضاهر، المدير العام للجمارك والمتّهم الأبرز بملف التفجير، للاطمئنان على سلامة «سعادته» أوّلاً، وللوقوف على مجريات التحقيق الذي كان ضاهر يوحي بالإشراف عليه من خلال المجلس الأعلى للدفاع. لم يخذل التيار بدري في محنته، خصوصاً وأنّ بدري يمثّل بالنسبة إلى التيار أوّل عنقود أزلامه الذين استرجعوا المراكز المسيحيّة في الدولة.

بعد اعتقال بدري، بدأت الضغوط لإطلاق سراحه ولنقل التحقيق إلى القضاء العسكري، في محاولة لسحب الملف إلى المكان الذي يريح العهد أكثر، سواء من ناحية القضاة أو من ناحية نوعيّة الإجراءات المعمول بها هناك.

حزب الله

بدوره، لم يكن حزب الله بعيداً عن شدّ حبال التحقيق إلى حيث يرتاح، أو على الأقلّ إلى المكان الذي لا يزعجه كثيراً. فسرعان ما أطلّ رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد معلناً اعتراض الحزب على أيّ تحقيق دولي في موضوع الانفجار، بحجّة خرق هذا التحقيق من قبل الموساد الإسرائيلي.


لم يطل الأمر بعد استقالة الحكومة حتّى تحوّلت عين التينة إلى غرفة عمليّات تشكيل الحكومة الجديدة: لا عودة إلى خطأ التكنوقراط، والمطلوب اليوم حكومة وحدة وطنيّة مجدّداً، أو ما يمكن تسميته بحكومة «لمّ شمل وطني» إذا كانت تسمية «حكومة الوحدة الوطنيّة» ستذكّر الجموع الغاضبة بالتجربة المشؤومة لحكومة الحريري الأخيرة.

ثمّة مشهد رسمته أحداث الأسبوع، خلاصته أننا نعيش في لبنان في عالمَيْن متوازيَيْن. ثمّة حالة شعبيّة تعيش آثار النكبة والموت وتلملمها وحدها، وتنتفض في وجه المتسبّبين في هذه الكارثة. وثمّة نظام سياسي يعيش في كوكبه الخاص، متلهّياً بمناورات ومكائد أقطابه المتبادلة… ويتابع الحياة وكأنّ شيئاً لم يكن.

المربّي حسن نصر الله

منذ أن ترك زعرانه ينهالون على شبابنا بالهراوات علينا ألا نتجرّأ. ألا نفتح أفواهنا. أن نصدّق فحسب فلتمتْ بيروت وأهلها، ولتحيا المقاومة يعلّمنا كيف نجيد الخوف منه

انفجار طائر الفينيق

لكن إذا قتل طائر الفينيق، فإنّه يموت، ولا يولد من جديد كأننا دائماً محكومون بتخيّل واقع أسوأ لنخلق الأمل لا نريد أن تعزّز الأزمات قدرتنا على الصمود الانتقام والعدالة لا تنبثقان من قاعات المحاكم الفاسدة أو لجان التحقيق المركبة