النقد في ظلّ الوباء

الحكومة تخلّفت عن دفع اليوروبوند. لكن لم يعد الأمر مهمًا، فهناك وباء.

المصارف تُقونِن إجراءاتها مستغلّةً قرار الإقفال لتمرّر نهبها. لكن لم يعد الأمر مهمًا، فهناك وباء.

الحكومة أعادت تعويم نفسها، ومعها الأحزاب والمصارف. لكن لم يعد الأمر مهمًا، فهناك وباء.

وزير الداخلية يفرض إجراءات أمنية قد تبقى بعد زوال المرض. لكن لم يعد الأمر مهمًا، فهناك وباء.

أصبح مجرّد تعداد تلك الأمور بمثابة الخيانة. لكن لم يعد الأمر مهمًا، فهناك وباء.


الوباء جنّة التكنوقراط وأرضيّتهم المفضّلة. فحلم السيطرة على المجتمع وإدارته خارج السياسة بات في متناول اليد.
فحوصات طبية للجميع، جمع الإحصائيات عن كيفية غسل الأيدي، إدارة حركة السير حسب الأرقام، حظر تجوّل، تعبئة عامة… حلم المجتمع الذي يدار من غرف عمليات التكنوقراط أصبح حقيقة. حسان دياب لم يعد بروفيسوراً يدير صفّاً، بل صار «البروفيسور» الذي يدير مجتمعاً بأكمله. وإذا لم يكن الوضع كافياً، فهناك جيش من الأطباء وقد باتوا أقرب إلى الأنبياء، يؤنّبوننا يوميًا لعدم ارتداء الكفوف أو عدم تمضية عشرين ثانية نغسل أيادينا.

لم يعد هناك شيء يقف في وجه «حُكم غسل الأيدي».
تجنّد الإعلام اللبناني ليبثّ حالةً من الهلع تبرّر دوره الجديد كالواشي عند التكنوقراط. إنّها قضية حياة أو موت، تسقط أمامها الديموقراطية أو حتى المهنية. فالتشكيك بالحكومة هو بمثابة العمالة لصالح الوباء. كل واحد عميل، من دون أن يدري. هو سبب آخر لانتصار الوباء على الصحة العامة. وإذا كان ذلك لا يكفي، فهناك دائما الذنب، ذنب من يعرّض أهله للموت. التقى الطبّي بالأخلاقي والتقني ليقضي على أي مساءلة سياسية أو تشكيك بالإجراءات أو محاولة معارضة الطبقة الحاكمة.


الوباء أداةٌ تأديبيّةٌ جماعية، لن تسمح بالاختلاف أو النقد، بل تقوم على التأديب الذاتي.
فنحن المشكلة والحلّ في آن، سبب انتقال الوباء وضحاياه، أداة عمل التكنوقراط وهدف وجودهم. لا مكان للنقد في معادلة كهذه. حتى الجوع يصبح مجرّد رقمًا لا يدخل هذه المعادلة إلّا إذا دفع بالناس إلى كسر قرار حظر التجوّل. فنحن في حرب مفتوحة في وجه مجهول يقال إنّه سيغيّر الحياة كما نعرفها، عدوّ غير مرئيّ أدخلنا بمجهول ليس فيه أي ثبات إلّا «التكنوقراط» وقراراتهم. لم يبقَ هناك شيء خارج هذه المعادلة يمكن التمسّك به لنقد ما يُفرَض علينا من إجراءات. فالمجهول أسوأ من الموت، هو الموت المحتمل لكل شيء.

في وجه هذا المجهول، بتنا نواجه مطلبَيْن متناقضَيْن:
من جهة،
التمسّك بشيء من طبيعية الحياة كرادع نحو تحويل الحياة بأكملها لمجرّد أداة في يد التكنوقراط وحلمهم بتحويل المجتمع إلى ملعب كبير للاختبارات الاجتماعية.
ومن جهة أخرى،
قبول انتهاء عالم ودخولنا إلى عالم آخر لم تحدّد بعد معالمه. وربّما الأصعب في هذا الطرح قد لا يكون تخيّل معالم هذا العالم الجديد، بل تحديد ما نريد الدفاع عنه من حياتنا السابقة.

فبغضّ النظر عن أدبيات رثاء الماضي التي باتت التعبير الأساسي عن الوباء، ربّما بات المطلوب اليوم هو العودة إلى هذا الماضي، والتمسّك به، لكي لا ننتهي كلنا كمجرّد تكنوقراط يعاينون أرضًا محروقة ليس فيها إلّا أناس بقفّازاتٍ يسيرون على بُعد متر ونصف من بعضهم بعضاً.

طلّاب

العالم، هذا العالم أًصبح أكثر وضوحًا. حذف الجمل الإنشائية والجمالية من نصوصه. كشَّر عن أنيابه. أزال طبقة التحضُّر المزيف عن وجهه. فتح باب قاعِه على مصراعيه. وقذف السيستم المتهالك بالطلاب نحو القاع... قاعه، وابتلعهم

الكفالة

هل لنا أن نذكّر بمعاناتهنّ المزمنة؟ تحرّش، فوقيّة وعنصريّة، ذكوريّة وقِحة، انتهاكات تصل إلى حد الاتجار بالبشر، عنف يصل إلى حد القتل، استغلال مستفحل يصل الى حد العمل القسري، وأصحاب منازل قد يتمادون إلى حدّ «التخلّص منها»